أخبار لبنانابرز الاخبار

صفير في مؤتمر مواجهة غسل الأموال: لقرارات تحمي القطاع المصرفي والمودعين معا

شارك رئيس جمعية مصارف لبنان الدكتور سليم صفير في المؤتمر العربي الإقليمي بعنوان “مواجهة غسل الاموال ومكافحة تمويل الارهاب” الذي نظّمه اتحاد المصارف العربية في فندق “فينيسيا إنتركونتيننتال” في بيروت.

وألقى خلاله الكلمة الآتية: “من بيروت، المدينة التي عرفت الانهيار والنهوض في آن، نقف اليوم لنرسم معا الطريق إلى ما نستحقه: قطاع مصرفي تحكمه الشفافية، وتحميه المساءلة، وتقوده الثقة.

يشهد العالم اليوم مرحلة تعاد فيها صياغة النظام المالي العالمي. فالتحولات الجيوسياسية، وإزدياد المخاطر العابرة للحدود، تفرض جميعها مسؤوليات جديدة على القطاع المصرفي. فالنجاح أصبح يقاس بقدرة المؤسسات على ترسيخ الحوكمة، وتعزيز الشفافية، وإدارة المخاطر بكفاءة. فالإمتثال أصبح إستثمارا في السمعة، والحفاظ على العلاقات المصرفية المراسلة.

في الإقتصاد، يمكن تعويض رأس المال المفقود، ويمكن إعادة بناء المؤسسات المتصدعة، ويمكن حتى ترميم الأسواق المنهارة. لكن الثقة، إذا فقدت، لا تستعاد بقرار، ولا تشترى بمال، بل تبنى حجرا حجرا، وقرارا بعد قرار، حتى تعود جزءا من هوية المؤسسة ذاتها.

السيدات والسادة،

إن استعادة الثقة بالإقتصاد اللبناني تبدأ بإستعادة الثقة بالمؤسسات. وهذا يتطلب إستكمال الإصلاحات المالية والاقتصادية، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية والمساءلة، بما يعيد بناء الثقة لدى المواطنين والمودعين والمستثمرين، ويؤسس لمرحلة جديدة من النمو والإستقرار.

وتؤكد جمعية مصارف لبنان إلتزامها الكامل بالتعاون مع السلطات الدستورية، وفي مقدمتها فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ودولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ودولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، في كل ما من شأنه دعم مسيرة الإصلاح وصون مصالح المودعين.

وإنطلاقا من هذه القناعة، واصلت المصارف اللبنانية جهودها في تطوير منظومة الإمتثال وإدارة المخاطر، بما ينسجم مع قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، دعما لخطة العمل الوطنية الرامية إلى إستكمال الخروج من القائمة الرمادية. فسلامة أي نظام مالي لا تقاس بقوة كل مؤسسة على حدة، بل بمتانة المنظومة بأكملها، ومن هذا المنطلق يجدد القطاع المصرفي اللبناني إلتزامه الكامل بمواصلة التعاون البناء مع مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة وكافة السلطات المختصة.

ونتوجه من خلال معالي ممثل دولة رئيس مجلس الوزراء إلى دولة الرئيس الدكتور نواف سلام: أعلم أنكم لستم المسؤول المباشر عن هذه الأزمة، فقد جئتم بعد سلسلة من الحكومات والمحطات المتعاقبة التي أنهكت القطاع المصرفي قبل أن تتولوا مسؤولية هذه المرحلة.

لكن التاريخ لا يسأل من بدأ الأزمة، بل يسأل من يملك الشجاعة لإنهائها. وأنتم اليوم تملكون هذه الفرصة، فرصة أن يقترن إسمكم لا بإدارة الانهيار، بل بلحظة الخروج منه.

ولعل ما يمنحنا الإطمئنان، دولة الرئيس، هو أن رجلا حمل لسنوات مسؤولية العدالة في أرفع محاكم العالم، وأصدر أحكاما في أكثر القضايا تعقيدا وحساسية، هو اليوم من يقود هذه المرحلة. فخبرتكم القضائية، وحكمتكم في الفصل بين الحقوق المتشابكة، تجعلكم الأقدر على إيجاد المخرج العادل والمتوازن لهذه الأزمة، بما ينصف المودعين، ويصون استقرار القطاع المصرفي، ويؤسس لعدالة إقتصادية تليق بتاريخكم القانوني.

وأود أيضا أن أتوجه بكلمة ثقة إلى سعادة حاكم مصرف لبنان الدكتور كريم سعيد: إن نجاح أي مسار إصلاحي في القطاع المصرفي يبقى رهنا بتكامل الأدوار بين حاكمية مصرف لبنان، والحكومة، والمصارف نفسها. فالرقابة وحدها لا تكفي إن لم ترافقها إرادة حكومية داعمة، كما أن إلتزام المصارف بالحوكمة والشفافية لا يكتمل من دون إطار رقابي واضح ومستقر يقوم على التشاور المؤسسي المستمر بين الحكومة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي.

وإننا نثق بأن قيادتكم لمصرف لبنان في هذه المرحلة الدقيقة ستكون شريكا فاعلا في إعادة بناء الثقة، لا حكما عليها فحسب.

وفي هذا السياق، نقدر الدور الذي تضطلع به لجنة المال والموازنة النيابية، برئاسة سعادة النائب الأستاذ إبراهيم كنعان، في إدارة هذا الملف الوطني الحساس. فما تبقى من هذه الأزمة ليس ملفا يخص المصارف وحدها، بل مسارا وطنيا يستدعي إدارة ذكية وحكيمة وشفافة، تحفظ حقوق المودعين وتراعي في الوقت نفسه إستقرار النظام المالي بأكمله.

وتتمنى الجمعية أن تتاح لها فرصة المشاركة في النقاشات التي ستجري في لجنة المال والموازنة حول هذه المشاريع، لإبداء رأيها الفني والعملي، والمساهمة في بلورة حلول قابلة للتنفيذ، تحفظ حقوق المودعين وتصون في الوقت نفسه إستمرارية القطاع المصرفي.

وأود، في هذا المؤتمر الذي يعنى بالإمتثال، أن أطرح سؤالا يتصل بمنظومتنا القضائية ذاتها: هل جرت معالجة الملفات المرتبطة بالقطاع المصرفي وفق معايير الإمتثال ذاتها التي نطالب بها اليوم؟ فما نواجهه ليس أزمة قطاع بمفرده، بل أزمة نظامية بإعتراف صندوق النقد الدولي، تستدعي معالجة قضائية منسقة وشاملة، مدعومة بإرادة حكومية واضحة، حتى يكون القطاع المصرفي أكثر قدرة على المساهمة في الحل بدل الإنشغال بالدفاع عن إستمراريته.

الحضور الكريم،

إن بناء الثقة مسؤولية مشتركة، مسؤولية الحكومات، والسلطات الرقابية، والمصارف، والمؤسسات المالية، وكل من يساهم في صياغة السياسات الإقتصادية.

فالثقة لا تبنى بالوعود، بل بالإنجاز.

ولا تكتسب بالخطابات، بل بالشفافية.

إن بناء الثقة ليس محطة نصل إليها، بل مسيرة نلتزم بها كل يوم.

ولعل أبرز درس يستحق أن نستحضره اليوم هو ألا نكرر خطأ الماضي: ففي التاسع من آذار عام 2020، وحين كانت إحتياطات مصرف لبنان تقارب الثلاثة وثلاثين مليار دولار، تعذر سداد إستحقاقات سندات اليوروبوند.

ولو أننا حينها إستبقنا الأزمة بالتوجه بحكمة إلى صندوق النقد الدولي كجهة إستشارية تعيننا على معالجة أوضاعنا الداخلية، لما وجدنا أنفسنا اليوم، بعد ست سنوات واحتياطات تراجعت إلى مستويات متواضعة، نطرق الباب ذاته من جديد وبموقع أضعف، أمام شروط أثقل كلفة وأشد صرامة”.

إن الدرس الأهم من هذه التجربة ليس توزيع المسؤوليات، بل ألا نكرر الخطأ نفسه: فلا يجوز أن يتحمل المودع والمصارف والإقتصاد كلفة قرارات لم يشاركوا في صنعها. ولعل أفضل ما يمكن أن نخرج به من هذه المرحلة الصعبة هو منظومة قرار مختلفة، تحمي القطاع المصرفي والمودعين معا في وجه أي أزمة مقبلة.

وفي هذا السياق، أود أن ألفت إنتباه أصحاب القرار والمسؤولية إلى نقطة جوهرية: إن القانون الصادر حديثا، مهما بلغت جودته ودقة صياغته، لن يحقق الغاية المرجوة منه ما لم تلتزم به الأطراف الثلاثة كافة، الحكومة ومصرف لبنان والمصارف. فغياب هذا الإلتزام المشترك لن يعني سوى تكرار السقوط في الحفرة ذاتها التي نحاول اليوم الخروج منها”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى