عدم دستورية القانون 45 لانتهاكه فصل السلطات والحرّيات الأكاديمية (الجمهورية 11 آب)

ليست المشكلة في الجامعة اللبنانية اليوم في شخص رئيسها، ولا ينبغي أن تتحوَّل إلى خصومة شخصية معه، مهما كانت المواقف منه أو من أدائه. فالدولة لا تبني قواعدها على الأشخاص، ولا ترفض قانوناً لأنّ شخصاً قد يستفيد منه، كما لا تقبله لأنّ شخصاً آخر يريده. المسألة أعمق من ذلك بكثير: إنّها تتصل بتدهور نوعية التشريع المتواصل منذ ثلاثة عقود، وبحدود السلطة التشريعية، استقلال الجامعة، مبدأ تداول المسؤولية، حماية الحرّيات الأكاديمية، ومدى جواز تعديل قانون مؤسسي بصورة تؤدّي عملياً إلى تغيير توازناته وفلسفته خدمةً لظرف أو استحقاق آني.
من هذه الزاوية، يثير القانون رقم 45 تاريخ 26/7/2026، المعدّل لقانون تنظيم المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية رقم 66/2009، إشكالية دستورية جدّية تستحق أن تُطرح بعيداً من أي اعتبار شخصي. جاء التعديل لتمديد ولاية رئيس الجامعة 6 أشهر والسماح له بإعادة ترشيحه لتجديد ولايته، بعدما كان القانون 66/2009 قد اتجه بوضوح إلى تكريس مبدأ المداورة وتداول المسؤوليات، فألغى التجديد المتتالي لرئيس الجامعة والعمداء ومديري الفروع. وقد أكّدت المواقف التي سبقت إقرار التعديل، أنّ هذا التحوُّل يمسّ فلسفة القانون وروحيّته، لا مجرّد فقرة تقنية فيه.
التشريع ليس سلطة تعيين مقنّعة
إنّ أخطر ما في التعديل لا يكمن في كونه سمح بالتجديد في ذاته، إذ يملك المشترع من حيث المبدأ صلاحية تعديل القوانين. لكنّ هذه الصلاحية ليست مطلقة، ولا تعني أنّ المجلس النيابي يستطيع، تحت ستار التشريع، أن يحلّ محلّ السلطة التنفيذية في إدارة مؤسسة عامة، أو أن يُعيد رسم قواعدها بطريقة تستهدف واقعاً إدارياً قائماً.
التعيين في رئاسة الجامعة، وفق النظام القانوني للجامعة، هو عمل إداري تنفيذي يتمّ عبر آلية رسمها القانون، وليس وظيفة تشريعية. وعندما يُعدَّل القانون في لحظة تكون فيها ولاية رئيس قائم على وشك الانتهاء، وبعد افتتاح مهلة قبول طلبات الترشيح للراغبين، وبما يسمح له مباشرة بالترشح مجدّداً، فإنّ التشريع يقترب من التدخّل في اختصاص السلطة التنفيذية، ولا سيما إذا أصبح أثره العملي تمكين شخص محدّد من الاستفادة الفورية من تعديل لم يكن قائماً عند تولّيه منصبه.
هنا تبرز مسألة الفصل بين السلطات: المجلس النيابي يُشرّع ويضع القواعد العامة، والحكومة تطبّقها وتتولّى التعيينات التي أناطها بها القانون كسلطة إجرائية. أمّا أن تتحوَّل القاعدة التشريعية إلى أداة لإعادة ترتيب مركز إداري محدّد في توقيت محدّد، فذلك يهدّد الحدود الفاصلة بين التشريع والتنفيذ.
أين ذهبت فلسفة القانون 66 /2009؟
لم يكن القانون 66/2009 تعديلاً عابراً. أعاد بناء المجالس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية على قاعدة الحدّ من تمركز السلطة، وتعزيز القرار الجماعي، وترسيخ التداول في المواقع القيادية. لذلك ألغى إمكانية التجديد المتتالي، ليس لرئيس الجامعة وحده، بل لرئيس الجامعة والعمداء ومديري الفروع، بما يؤكّد أنّ عدم التجديد كان خياراً تشريعياً عاماً وليس حكماً شخصياً ضدّ شاغل منصب معيَّن.
من هنا تبدو المفارقة: إذا كانت المداورة مبدأً حاكماً لرئاسة الجامعة والعمداء ومديري الفروع، فلماذا يُفتح باب التجديد لرئيس الجامعة وحده؟ وإذا كانت الحجة هي ضمان الاستمرارية الأكاديمية والإدارية، فلماذا تكون الاستمرارية حاجة للرئيس ولا تكون للعمداء ومديري الفروع؟ وإذا كانت الولاية المحدّدة بـ5 سنوات غير كافية لتنفيذ الخطط، فهل المشكلة في مدة الولاية أم في طبيعة التخطيط الإداري الذي يفترض أن يستمر بتعاقب المسؤولين؟ وهل رئيس الجامعة يُنتخَب في المبدأ على أساس برنامج؟!
إنّ وحدة المنظومة القانونية تفرض أن تكون القاعدة منسجمة مع فلسفتها، لا أن يُستثنى منها موقع واحد بصورة منفردة.
التناقض داخل القانون نفسه
تزداد الإشكالية عندما نقرأ التعديل في ضوء بقية أحكام النظام الأكاديمي. فإذا كان القانون يريد منع تركّز القرار وتجديد الوجوه القيادية، ثم يعود فيفتح التجديد في أعلى موقع إداري، فإنّه يخلق تناقضاً في السياسة التشريعية نفسها.
ليست الجامعة شخصاً، ولا هي مشخصنة، والرئاسة ليست ملكية خاصة، والاستمرارية المؤسسية لا تعني استمرارية الشخص. بل إنّ جوهر الإدارة العامة يقوم على أنّ المؤسسة تستمر رغم تغيّر شاغلي المناصب. الأخطر أنّ تعديل قاعدة التجديد لرئيس الجامعة، مع إبقاء القيود ذاتها على سائر المواقع الأكاديمية والإدارية، يخلّ بالتوازن الذي أراده المشرّع عام 2009، ويجعل رئاسة الجامعة مركزاً استثنائياً داخل بنية كان الهدف منها منع الاستثناء.
الحرّيات الأكاديمية ليست تفصيلاً
الجامعة ليست إدارة عامة بالمعنى التقليدي فحسب. إنّها فضاء للبحث والتعليم وحرّية الفكر وتعدّد الآراء. ولذلك فإنّ استقلالها الأكاديمي يشكّل جزءاً من وظيفتها وسبب وجودها. لقد وعى واضعو وثيقة الوفاق الوطني في الطائف هذه الحقيقة، وشدّدوا على وجوب حماية الجامعة اللبنانية والمحافظة على استقلاليّتها خلافاً لما يفعله المجلس النيابي اليوم. عندما يطول بقاء السلطة الإدارية العليا من دون تداول، وتتراجع أدوار المجالس الأكاديمية، ويغيب مجلس الجامعة أصلاً، وهو الغائب منذ 2018، تصبح المسألة أبعد من مدة ولاية رئيس. إنّها تتصل بقدرة الجامعة على إنتاج قرار أكاديمي مستقل عن النفوذ السياسي والإداري.
جاء قانون 66/2009 أصلاً لتعزيز المجالس الأكاديمية والحدّ من المزاجية الفردية في القرار الجامعي. ومن ثم فإنّ تعديلاً يعزّز مركز الفرد في وقت يغيب فيه المجلس الذي يفترض أن يوازن سلطته يحتاج إلى تدقيق دستوري ومؤسساتي بالغ. ولن نتناول «الوشوشات» عن التدخّل في مباريات الدخول، ولا الأشخاص المستفيدين منها، ولا العقود التي تُلغى أو تُبرَم لدوافع محض حزبية وطائفية وشخصية.
الإصلاح يبدأ بإعادة المؤسسات لا بتعديل الولاية
إنّ الجامعة اللبنانية لا تحتاج إلى قانون يُفصّل لحظةً معيّنة، بل إلى استعادة انتظامها المؤسسي. الأولوية ليست تمديد ولاية أو فتح باب تجديد، بل تعيين مجلس جامعة أصيل، وتعيين عمداء وفق القانون، وإعادة المجالس الأكاديمية إلى ممارسة صلاحياتها، وضمان استقلال القرار الجامعي. أمّا تعديل قانون 66/2009، إذا كان ضرورياً فعلاً، فيجب أن يأتي في إطار إصلاح شامل، وبعد استعادة مجلس الجامعة لدوره، وبمشاركة الجسم الأكاديمي، لا في لحظة فراغ مؤسساتي يصبح فيها تعديل القانون بديلاً عن تطبيقه.
القضية، في النهاية، ليست قضية شخص ولا قضية رئيس حالي. إنّها قضية مبدأ: هل نريد قانوناً يحكم الأشخاص، أم أشخاصاً يُعاد تشكيل القانون بما يلائم مواقعهم؟
إذا كانت دولة القانون تعني شيئاً، فإنّ الجواب يجب أن يكون واضحاً: الجامعة اللبنانية مؤسسة وطنية، ورئاستها وظيفة عامة، والقانون الذي ينظّمها يجب أن يحمي تداول المسؤولية واستقلالها الأكاديمي، لا أن يتحوَّل إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة.
الاستمرارية التي تحتاجها الجامعة ليست استمرارية الأشخاص، بل استمرارية المؤسسة. وهذه لا تتحقق إلّا بالقانون، وبالمجالس الأكاديمية، وبالتداول، وبالاستقلال، وباحترام الحدود الدستورية بين السلطات.
أمام المجلس الدستوري: المبدأ والضرورة
قد يجد المجلس الدستوري، في الطعن المقدَّم إليه، نفسه أمام مسألة تتجاوز حدود القانون المطعون فيه إلى حماية انتظام القواعد الحقوقية التي تحكم المؤسسات العامة واستقلالها. وهي مناسبة يمكنه فيها، كما فعل في بعض قراراته، أن يتخذ موقفاً مبدئياً واضحاً من مسألة تمديد الولاية، فيؤكّد أنّ الأصل هو احترام المدد القانونية ومبدأ تداول المسؤوليات، وعدم المساس بانسجام القواعد التي أرساها المشرّع لتنظيم المجالس الأكاديمية ومنع تمركز السلطة فيها.
إلّا أنّ المجلس، وهو يمارس رقابته الدستورية، قد يجد نفسه أيضاً أمام واقع مؤسساتي استثنائي تعيشه الدولة اللبنانية، حيث أصاب التعطيل والفراغ معظم مؤسساتها. ومن هنا يمكن التمييز بين رفض التمديد كقاعدة دائمة وبين قبوله، عند الاقتضاء، كتدبير ظرفي واستثنائي ومؤقت تفرضه الضرورة المؤسساتية، من دون أن يتحوَّل الاستثناء إلى قاعدة أو أن يؤسس لسابقة تشريعية دائمة.
وفي هذه الحالة، تكون مهمّة المجلس الدستوري مزدوجة: حماية المبدأ من جهة، ومراعاة مقتضيات انتظام المؤسسات من جهة أخرى. فإذا قبل بالتمديد لاعتبارات ظرفية، ينبغي أن يكون واضحاً أنّ هذا القبول لا يعني إقرار مبدأ التجديد ولا إجازة تعديل القواعد الناظمة للمجالس الأكاديمية، كلّما حالت الظروف السياسية أو المؤسساتية دون تطبيقها. فالضرورة قد تُبرّر تدبيراً استثنائياً، لكنّها لا تنشئ حقاً دائماً، والاستثناء لا يجوز أن يتحوَّل إلى قاعدة.
ولعلّ قيمة القرار الدستوري، في هذه الحالة، لا تكمن فقط في النتيجة التي سينتهي إليها، بل في قدرته على رسم الحدّ الفاصل بين ما يفرضه المبدأ وما تبرّره الضرورة، فتبقى القاعدة الحقوقية هي الأصل، ويبقى التدبير الظرفي استثناءً محدوداً في الزمان والغاية والأثر.



