«هرمز» يقلب الطاولة على أميركا… من طوكيو: ليلة سقوط الين (الأخبار 10 آب)

انتقلت صدمة الحرب من مضيق هرمز إلى سعر برميل النفط ثم تضخّمت باقي الأسعار وبينها سعر الفائدة، وبدأ التأثير يظهر في سعر العملات وفي أسواق السندات الأميركية… إلى أن انفجر سعر صرف الين الياباني. فاليابان أحد أكثر الاقتصادات اعتماداً على الطاقة المستوردة وتملك أكبر محفظة أجنبية من سندات الخزانة الأميركية، لكنها ترتبط بالنظام المالي العالمي الذي أصبح أكثر هشاشة، واستقراره متشابك بأوضاع التجارة العالمية، وهو أمر يتعارض مع السياسات الأميركية العدوانية التي تحاول استعادة صورتها المهيمنة في مضيق هرمز والشرق الأوسط، لكن بلا جدوى. استقرار اليابان لم يكن مسألة أميركية عابرة بل هو أمر حيوي حتى لا ترتفع كلفة الدين الأميركي.
للمرة الأولى منذ عام 2011، تدخّلت الولايات المتحدة إلى جانب اليابان في سوق العملات لشراء الين والحفاظ على استقرار سعره مقابل الدولار. هي ليست مساعدة مالية تقليدية، إنما هي عبارة عن تدخل مباشر في السوق من الخزانة الأميركية، في خطوة نادرة تكشف حجم التشابك بين البلدين وأسواقهما المالية.
الجانب التنفيذي للقرار السياسي بإنقاذ اليابان، جاء من خلال قيام وزارة المالية اليابانية وبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بالتنسيق لشراء الين. قضت هذه الخطّة بتطبيق عمليات FIMA Repo التي تتيح لطوكيو رهن السندات الأميركية التي تحملها في محفظتها، مؤقتاً، مقابل السيولة الفورية بالدولار. نفذ الأمر على أكثر من جولة تضمنت بيع اليابان للدولارات التي أخذتها مقابل الرهن المؤقت للسندات، وشراء الين. ضخّت اليابان أكثر من 9.8 تريليونات ين (نحو 62 مليار دولار) في جولة واحدة، وتجاوز إجمالي ما ضخّته طوكيو مبلغ 150 مليار دولار. وبالتوازي، قام الفيدرالي الأميركي ببيع نحو 80 مليار دولار من احتياطاته باليورو لشراء الين ما أدى إلى كبح عمليات المضاربة على الين الياباني ومنع استمرار انهياره.
لماذا حصلت هذه العملية وما الهدف منها؟
المسألة الأساسية تبدأ بأن الفائدة في اليابان كانت على مدى سنوات ماضية أقرب إلى الصفر، ما جعل الين الياباني إحدى أهم «عملات التمويل» في العالم. وكان المستثمرون حول العالم وصناديق التحوّط وسواهم، يقترضون بالين بكلفة منخفضة للغاية، ثم يحوّلون القروض إلى دولارات يتم استثمارها في الأصول والسندات الأميركية التي تحقق عوائد أعلى، أي إن كلفة الفائدة على القروض اليابانية كانت أدنى بكثير من مردود هذه الاستثمارات، ما يحقق أرباحاً كبيرة للمقترضين. هذا ما يعرف بـ«تجارة الفائدة» أو الـ Carry Trade. ويؤكد بنك التسويات الدولية أن تدني الفائدة اليابانية مقارنة ببقية الاقتصادات جعل الين عملة تمويل مفضّلة لهذه العمليات، مع التشديد على أن الحجم الفعلي لهذه العمليات لا يمكن قياسه بدقّة بسبب طبيعتها وتشابكها مع معاملات أخرى.
لكن، مثل كل الحروب، تبدأ المشكلات بالظهور على أسس بنيوية. فالاقتصاد الياباني لم يكن بمنأى عن الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران. فهذه الأخيرة قرّرت أن تحكم قبضتها على مضيق هرمز حيث يمرّ خُمس النفط المستهلك حول العالم. وبالنسبة إلى اليابان، فإن اعتمادها على نفط الشرق الأوسط «استثنائي».
وفق بيانات وكالة الموارد الطبيعية والطاقة اليابانية، بلغت حصة الشرق الأوسط نحو 94.7% من واردات اليابان النفطية في السنة المالية 2023. وبالتالي، فإن تعطّل المرور الفعلي لناقلات النفط في هرمز فرض على اليابان خفض مخزونها التجاري والبدء باستعمال احتياطات وطنية تعادل حاجات الاستهلاك المحلي لنحو شهر، ثم أعلنت لاحقاً إفراجاً إضافياً يعادل 20 يوماً. وبالتوازي مع تعطّل هذه الإمدادات من النفط، بدأت الأسعار ترتفع. فقد أصبحت الحرب الإيرانية صدمة مباشرة لاقتصاد يعتمد على استيراد الطاقة. وارتفاع النفط يعني ارتفاع فاتورة الاستيراد، وزيادة الطلب على الدولار لشراء الطاقة، وتضخّماً أعلى، وبالتالي ضغطاً إضافياً على الين.
وفي الوقت نفسه، فإن بنك اليابان الذي يحاول الخروج من عقود من السياسة النقدية الفائقة التيسير ودفع الاقتصاد للاعتماد أكثر على معدلات فائدة منخفضة كثيراً، فإنه وجد نفسه أمام مفترق طرق بسبب هذه الحرب وإغلاق المضيق. إذ بات يترتب عليه أن يرفع سعر الفائدة للجم التضخم وامتصاصه، أو مواجهة سعر الفائدة في السوق بطرق أخرى.
في الحالتين لم يكن الأمر سوى أزمة جديدة قد تبدأ في اليابان ولا تنتهي في الولايات المتحدة الأميركية، بل ستجرّ معها كل أسواق المال حول العالم. رغم ذلك، حاول بنك اليابان مجاراة التضخّم ضمن هوامش محدودة، في استراتيجية بدت ضعيفة للغاية وسط هول المصيبة التي وقع بها الين الياباني واحتمالات انهياره. ففي حزيران الماضي، رفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى 1%، وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً، لكنه أبقاه عند هذا المستوى في اجتماعه في نهاية تموز، رغم تصاعد الضغوط التضخمية.
هنا بدأت المسألة تأخذ منحى مختلفاً. فمع ارتفاع كلفة الاقتراضي في اليابان، تصبح المعادلات على وشك الانهيار، لأن المستثمرين الذين اقترضوا بالين الياباني، عليهم أن يسدّدوا ديونهم بعملة أصبحت أغلى مما كانت يوم الاقتراض، وبالتالي يواجه بعضهم، أو غالبيتهم، خيارات صعبة مثل تسييل محافظهم واستثماراتهم بالأسعار الرائجة للحدّ من خسائر القرض. أي إن عليهم بعض الأصول والسندات التي يحملونها لتسديد قروضهم بالين.
لكن المفارقة أنه في الأشهر الماضية، لم يرتفع الين، بل انهار. يبدو أن المستثمرين كانوا يصدقون أن المسألة الإيرانية الأميركية في مضيق هرمز قابلة للاحتواء، وأن الخسائر ستظهر مؤقتاً قبل أن تنقلب النتيجة إلى أرباح ضخمة. هذا ما يمكن قراءته من انهيار الين في تموز ليبلغ 163.99 يناً للدولار، وهو أدنى مستوى منذ نحو أربعة عقود. لكن ما حصل في اليابان أن المسبحة بدأت تكر. فقد وجدت سوق السندات اليابانية نفسها مجبورة أن تعيد تسعير المخاطر، وفي 9 تموز بلغ عائد السند الحكومي الياباني لأجل عشر سنوات 2.9%، وهو المعدّل الأعلى منذ 1996، بينما تجاوز عائد الثلاثين عاماً 4%. وكانت المخاوف من التضخم الناتج من أسعار الطاقة ومن السياسة المالية التوسعية للحكومة من أبرز أسباب ارتفاع العوائد.
بكل بساطة، بدت الصورة قابلة لمزيد من الانهيار الذي يترجم من خلال ارتفاع أسعار الفائدة وانهيار الين. وإزاء هذا الضغط، بدأت طوكيو تستخدم احتياطاتها بالعملات الأجنبية. بين 30 نيسان و6 أيار، نفّذت السلطات اليابانية ثلاث عمليات تدخل في السوق لشراء الين، وبلغت قيمة التدخلات نحو 73.5 مليار دولار. وفي 30 نيسان وحده، باعت اليابان عملات أجنبية بقيمة تقارب 40 مليار دولار لشراء الين، في أكبر تدخل يومي من نوعه في تاريخ البيانات اليابانية المتاحة. وأدّى التدخل إلى ارتفاع الين مؤقتاً من نحو 160.7 يناً للدولار إلى قرابة 155 يناً، إلا أن أثر هذه العملية لم يستمر.
وفي نهاية تموز، أصبحت العملية أكبر بكثير. إذ تشير بيانات السيولة لدى بنك اليابان إلى أن السلطات ربما أنفقت ما قيمته 59 مليار دولار في 30 تموز، ثم 37 مليار دولار في اليوم التالي. أي إن حجم التدخل الياباني المحتمل خلال يومين يقترب من 95.5 مليار دولار، وإن كانت الأرقام النهائية التفصيلية لن تصدرها وزارة المالية إلا في 28 آب.
هنا دخلت واشنطن على الخط. في 31 تموز، أظهرت صورة التقطتها «رويترز» لدفتر ملاحظات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بنداً مباشراً على قائمة أعماله، وهو شراء ما بين 5 و10 مليارات دولار من الين الياباني. وبعد ذلك أكدت اليابان أن التدخل جرى بالتنسيق مع الولايات المتحدة. واللافت أن الخزانة الأميركية لم تبع دولارات لشراء الين، بل باعت جزءاً من احتياطاتها المقوّمة باليورو واشترت بها العملة اليابانية…
بذلك، أرادت الولايات المتحدة مساعدة اليابان على رفع قيمة الين، لكنها لم تكن تريد في الوقت نفسه إعطاء الأسواق إشارة بأنها تسعى إلى إضعاف الدولار، ولا سيما في ظل بقاء التضخم الأميركي فوق المعدل المستهدف. لذلك استُخدم اليورو كطرف مقابل للعملية. وبذلك أصبحت واشنطن عملياً جزءاً مباشراً من الدفاع عن العملة اليابانية.
لكن لماذا يعني الين الأميركيين إلى هذه الدرجة؟ النقطة المحورية هنا هي سوق سندات الخزانة الأميركية. فاليابان هي أكبر حائز أجنبي للدين الحكومي الأميركي. ووفق أحدث بيانات الخزانة الأميركية المتاحة، بلغت حيازاتها من سندات الخزانة 1.143 تريليون دولار في نهاية أيار 2026. وكانت تبلغ 1.210 تريليون دولار تقريباً في نيسان، أي إنها انخفضت بنحو 66.8 مليار دولار في شهر واحد.
لا يمكن الجزم بأن هذا الانخفاض كله نتج من بيع السندات لتمويل الدفاع عن الين، فالخزانة الأميركية نفسها تحذر من أن بيانات الحيازة تتأثر بطريقة حفظ الأصول وإدارة المحافظ عبر دول ومؤسسات مختلفة. لكن الحجم والتوقيت يوضحان سبب قلق واشنطن، إذا احتاجت اليابان بصورة متكررة إلى كميات ضخمة من الدولارات للتدخل في سوق الصرف، فإن إحدى الطرق المتاحة أمامها هي تسييل جزء من أصولها الدولارية، وفي مقدمتها سندات الخزانة الأميركية.
والمشكلة أن سوق الدين الأميركية لم تكن في وضع يسمح لها باستقبال صدمة إضافية بسهولة. ففي نهاية تموز، وصل عائد سند الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.75%، بينما تجاوز عائد الثلاثين عاماً 5.28%، وهو أعلى مستوى منذ 2007. ومشكلة أميركا مع هذا الأمر هي أن ارتفاع العائد، يعني أن أي سندات جديدة تريد أن تصدرها الخزانة الأميركية يجب أن تعادل هذا العائد، ما يعني ارتفاع كلفة الاستدانة على المالية العامة. وكلما انخفض سعر السند ارتفع عائده، وبالتالي فإن موجة بيع كبيرة من حائز أجنبي بحجم اليابان قد تضيف ضغطاً صعودياً على كلفة الاقتراض الأميركي، في وقت تعاني فيه واشنطن أصلاً من كلفة خدمة دين مرتفعة.
وهنا يعود مضيق هرمز إلى الصورة. خلال تموز، عندما اقترب خام برنت من مستوى 100 دولار، ترافق ارتفاع أسعار النفط مع مزيد من الضغط على الين والسندات اليابانية. وعندما أعلن دونالد ترامب في نهاية الأسبوع الماضي تراجعه في اللحظة الأخيرة عن «هجمات ضخمة» كان قد أجاز تنفيذها ضد إيران، تغيّر اتجاه السوق فوراً. ففي جلسة الإثنين، هبط برنت 7% إلى 83.77 دولاراً للبرميل، فيما تراجع الخام الأميركي 5.1% إلى 80.34 دولاراً.
ولا توجد، حتى الآن، معلومات علنية تثبت أن أزمة العملة اليابانية أو الخوف من بيع سندات الخزانة كانا السبب المباشر وراء قرار ترامب إلغاء الهجوم. لكن من الصعب أيضاً فصل القرار العسكري عن البيئة الاقتصادية التي اتُخذ فيها. فالحرب رفعت سعر النفط، وارتفاع سعر النفط ضغط على التضخم الأميركي وعلى عوائد السندات، وأضعف العملة لدى أكبر حائز أجنبي للدين الأميركي، ثم اضطرت واشنطن نفسها إلى دخول سوق العملات إلى جانب طوكيو. بالتزامن، كانت أسعار البنزين في الولايات المتحدة تتحول إلى عبء سياسي داخلي قبل الانتخابات النصفية.
وهنا تصبح هندسة السيولة جزءاً من هندسة الحرب نفسها. فالولايات المتحدة التي تقاتل في الخليج وجدت نفسها، في اللحظة ذاتها، تشتري الين وتحاول منع حليفتها من الاضطرار إلى بيع الأصول الأميركية. وهذا لا يعني أن الأسواق تقرر وحدها الحرب والسلم، لكنه يعني أن للحرب كلفة إضافية لا تظهر في الموازنة العسكرية، وهي كلفة تمر عبر أسعار النفط والعملات والسندات، ويمكن أن تضيق في النهاية هامش القرار السياسي نفسه.


