أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

العدو يهرب إلى التصعيد: سلطة الوصاية أمام اختبار السيادة في المنصوري (الأخبار 6 آب)

لم ينتظر العدو الإسرائيلي اتضاح ملابسات الانفجار الذي استهدف قوةً تابعة له داخل بلدة مجدل زون المحتلة، فسارع إلى توجيه الاتهام إلى حزب الله بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، وإلى سلسلة من الاعتداءات والتهديدات الميدانية، في محاولة لاستثمار حادث لا تزال ظروفه موضع تضارب حتى وفق الرواية الإسرائيلية.

وبحسب المعطيات، وقع انفجار داخل مبنى كانت تتمركز فيه قوة من جيش الاحتلال في مجدل زون، ما أدّى إلى سقوط قتلى وجرحى. إلا أن الوقائع لم تحسم بعد سبب الانفجار، إذ تُراوِح الاحتمالات بين أن يكون ناجماً عن خطأ ارتكبته قوات الاحتلال التي دأبت خلال الأشهر الماضية على تفخيخ المنازل وتفجيرها، أو أن العبوة كانت مزروعة قبل دخول القوات الإسرائيلية إلى البلدة، أو الأكثر قلقاً بالنسبة إلى العدو هو أن تكون العبوة قد زُرعت في ظل احتلاله للبلدة.

ورغم غياب أي معطيات حاسمة، سارعت تل أبيب إلى تحميل حزب الله المسؤولية، فيما كشفت وسائل إعلام عبرية عن ارتباك في الروايات الرسمية بشأن طبيعة الحادث. فأفادت منصات إعلامية إسرائيلية بأن الانفجار أدّى إلى مقتل جنديين وإصابة سبعة آخرين من أفراد اللواء 55، بعدما انفجرت عبوة ناسفة داخل مبنى يسيطر عليه الجيش منذ فترة.
وسرعان ما تحوّل الحادث إلى ذريعة لتصعيد ميداني. فشنّت طائرات الاحتلال المُسيّرة غارة على بلدة تبنين الواقعة خارج ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، ما أدّى إلى استشهاد مدني وإصابة 12 آخرين، وتحدّثت وسائل إعلام إسرائيلية عن سلسلة عمليات انتقامية يعتزم الجيش تنفيذها ضد حزب الله.

وبالتوازي، صعّد الاحتلال من ضغوطه على القرى الجنوبية، ووجّه المتحدّث باسم جيش العدو إنذاراً عاجلاً إلى سكان بلدة المنصوري لإخلاء منازلهم فوراً. وزعمت القناة 12 العبرية، نقلاً عن مصدر عسكري، أن البلدة تقع ضمن «المنطقة الأمنية» التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، وأن الإخلاء جاء بعد إنشاء الجيش اللبناني نقطة عسكرية داخلها، ما اعتبرته إسرائيل «خرقاً للاتفاقات».

مقتل وإصابة 10 جنود إسرائيليين في تفجير منزل يستخدمه جيش الاحتلال في مجدل زون

وفي المقابل، يضع التصعيد الإسرائيلي السلطة اللبنانية أمام اختبار سياسي وأمني جديد، بعدما انتقل الاتهام الإسرائيلي من حزب الله إلى الجيش اللبناني نفسه. فادّعاء تل أبيب أن إنشاء نقطة عسكرية للجيش في المنصوري يشكّل «خرقاً» لا يقتصر على تبرير الإنذار بإخلاء البلدة، بل يؤشر إلى محاولة إسرائيلية لإعادة تفسير تفاهمات وقف إطلاق النار بما يقيّد انتشار الجيش داخل الأراضي اللبنانية، ويمنح الاحتلال حق الاعتراض على تحرّكاته.

وترى أوساط سياسية أن هذا التطور يفرض على الدولة اللبنانية التمسك بحق الجيش في الانتشار على كامل الأراضي الجنوبية ورفض أي محاولة لتحويل الادعاءات الإسرائيلية إلى أمر واقع، ولا سيما أن قبول مثل هذه المقاربة من شأنه أن يُضعِف الموقف اللبناني في المفاوضات، ويمنح تل أبيب ورقة إضافية لفرض وقائع أمنية جديدة تحت عنوان «المنطقة الأمنية» و«الخط الأصفر»، بما يتجاوز مقتضيات تثبيت وقف إطلاق النار. وعليه، فإن السلطة في المنصوري أمام اختبار جدي يؤثّر على ما تبقّى من سيادتها فيما لو سحبت الجيش من المنصوري تحت الضغط الأميركي والتهديد الإسرائيلي.

إلى ذلك، ترى مصادر ميدانية أن التصعيد الإسرائيلي يعكس محاولة واضحة لربط حادثة مجدل زون بواقع الميدان جنوباً، واستخدامه لتبرير توسيع دائرة الاعتداءات، سواء عبر استهداف بلدات تقع خارج نطاق الاحتلال المباشر، أو عبر توجيه إنذارات جديدة للسكان والاعتراض على انتشار الجيش اللبناني، مؤكّدة أن العدو بسلوكه هذا يبدو من الواضح أنه يحضّر المشهد في لبنان لخيارات تتجاوز مسألة الرد على ما قال إنه خرق من حزب الله، وتتصل بمساعيه المتزايدة لخلق الذرائع لإعادة التصعيد بشكل يثير تعاطف الإدارة الأميركية.
وتعتبر المصادر نفسها أن توقيت التصعيد الإسرائيلي لا يبدو منفصلاً عن المسار السياسي القائم. ففي وقت كان الوفد اللبناني يواصل محادثاته مع الوفد الإسرائيلي في روما، برعاية الوسطاء، جاءت حادثة مجدل زون لتمنح حكومة الاحتلال فرصة لإعادة رسم المشهد التفاوضي من موقع «المتضرر»، عبر الادّعاء بأن حزب الله خرق وقف إطلاق النار، بما يتيح لتل أبيب المطالبة بتشديد الضغوط على لبنان ورفع سقف شروطها الأمنية في المفاوضات.

كذلك، يتزامن التصعيد مع تسرّب أجواء إيجابية بشأن المفاوضات المتعلّقة بملف مضيق هرمز في سلطنة عُمان، وهو ما يدفع إلى قراءة السلوك الإسرائيلي في إطار محاولة منع تبلور مناخ إقليمي أقل توتراً قد يحدّ من هامش المناورة العسكرية والسياسية الذي تستفيد منه حكومة بنيامين نتنياهو. فمن مصلحة الأخيرة إبقاء الجبهة اللبنانية في حالة توتر دائم، بما يسمح لها بتبرير استمرار عملياتها العسكرية والضغط على الوسطاء الدوليين لتبنّي مقاربتها الأمنية.

ومن هذا المنطلق، تبدو الضربة التي استهدفت تبنين، والإنذار الموجّه إلى أهالي المنصوري، جزءاً من سياسة تتجاوز الردّ المباشر على حادثة مجدل زون، إلى محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة، وتكريس مفهوم «الخط الأصفر» بوصفه منطقة نفوذ إسرائيلية، مع الاعتراض على أي انتشار للجيش اللبناني داخلها، رغم أن ذلك يدخل في صلب ترتيبات تثبيت وقف إطلاق النار.

المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى