هل عاد الصراع السعودي – الإيراني إلى نقطة الصفر؟

شهدت بكين، في العاشر من آذار عام 2023، مشهدًا تاريخيًا تمثّل في مصافحة بين مسؤولين سعوديين وإيرانيين، بعد سبع سنوات من القطيعة. وبدا الأمر وكأن الشرق الأوسط يطوي صفحةً من العداء السياسي. لكن الإشكاليات الكبرى بين البلدين لم تُحسم، بل أُجّلت. ومع سقوط الصواريخ الإيرانية على الرياض في نيسان الماضي، عاد السؤال إلى الواجهة: هل انتهى التفاهم؟
حقق الاتفاق آنذاك نتائج ملموسة، فأُعيد فتح السفارتين في الرياض وطهران، واستُؤنف تبادل السفراء والرحلات الجوية المباشرة، كما تطورت دبلوماسية الحج إلى تعاون تقني متكرر بين الجانبين في ما يتعلق بالحصص والتأشيرات والنقل، بما في ذلك تفاهمات لزيادة حصة الحجاج الإيرانيين وتسهيل الرحلات المباشرة من عدة مدن إيرانية خلال مواسم الحج.
وفي هذا السياق، اعتبر الكاتب الإيراني والخبير في شؤون الشرق الأوسط، مهدي ريزا، في حديث لموقع MTV، أنه “من الممكن أن تستمر العلاقات الدبلوماسية، لأن الطرفين يدركان أهمية الإبقاء على قنوات الحوار لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. لكن استمرار هذه العلاقات لا يعني بالضرورة تحسنها. فكلما استمرت تدخلات النظام الإيراني في الشؤون العربية أو تصاعدت التهديدات الأمنية، ستتعرض هذه العلاقة لاختبارات جديدة”.
إلا أن الملفات الجوهرية بقيت معلقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، وشبكة الميليشيات الموالية لطهران في المنطقة، والملف اليمني. بل إن الرياض، بحسب تقارير متعددة، اتجهت عام 2025 إلى إجراء محادثات مباشرة مع الحوثيين بوساطة عُمانية، متجاوزةً طهران، في ما عُدّ مؤشرًا إلى تراجع النفوذ التفاوضي الإيراني في اليمن.
وبعد الهجمات الإيرانية على الخليج العربي في أواخر شباط، كان لافتًا أن القنوات الدبلوماسية لم تنهَر بالكامل، إذ استمرت الاتصالات بين الرياض وطهران حتى في ذروة التوتر العسكري، وهو سلوك يختلف جذريًا عن القطيعة التي شهدها عام 2016. لكن ما دام مبدأ تصدير النموذج الثوري حاضرًا في العقيدة الرسمية الإيرانية، وما دامت المملكة ترى فيه تهديدًا وجوديًا لدورها بوصفها ركيزةً للنظام الإقليمي، فإن أي اتفاق، صينيًا كان أم غيره، سيبقى إدارةً للأزمة لا حلًا لها.
وأكد ريزا أن “المرحلة الراهنة تحكمها ترتيبات مؤقتة لإدارة الأزمات وخفض التوتر. وإذا توصلت واشنطن إلى تفاهم مع النظام الإيراني، فمن المرجح أن يتركز على الملفات النووية والأمنية وحرية الملاحة، لا على منح النظام دورًا إقليميًا مشروعًا. غير أن أي اتفاق لن يحقق استقرارًا طويل الأمد إذا تجاهل جذور الأزمة، ولا سيما ما يتعلق بدور الميليشيات، وأمن الخليج، والملاحة في مضيق هرمز”.
لم يُنهِ اتفاق بكين الصراع السعودي – الإيراني، بقدر ما نجح في ضبط إيقاعه ومنع انفجاره المباشر. فقد أعاد فتح قنوات التواصل، لكنه لم يُزل أسباب انعدام الثقة، ولم يغيّر طبيعة التنافس الاستراتيجي بين الطرفين.



