أخبار لبنانابرز الاخبار

الهيئة الناظمة للاتصالات: انطلاقة في مواجهة الإنترنت غير الشرعي

منذ إقرار قانون الاتصالات رقم 431 عام 2002، لم يكن الهدف إنشاء الهيئة الناظمة للاتصالات بذاته، بل بناء منظومة متكاملة لإدارة القطاع تقوم على توزيع واضح للصلاحيات بين وزارة الاتصالات، والهيئة الناظمة للاتصالات، والمشغل الوطني “ليبان تيليكوم”. فالقانون صاغ هذه الجهات كمنظومة واحدة تتكامل أدوارها لإصلاح القطاع وإدارته وفق مبادئ الشفافية والمنافسة الناظمة.

إلا أن التنفيذ سار في اتجاه مختلف، إذ فُعّلت بعض أحكام القانون فيما بقيت أخرى معلقة، فأصبحت الهيئة تمارس معظم صلاحياتها التنظيمية، في حين تأجل إنشاء “ليبان تيليكوم” واستكمال المتطلبات القانونية والإدارية المرتبطة بها. من هنا تكتسب مواقف عضو مجلس إدارة الهيئة ورئيس وحدة الإعلام وشؤون المستهلكين هيثم سرحان أهمية خاصة، لأنها تعكس رؤية الهيئة لأولوياتها، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات عن مدى انسجام مسار التنفيذ مع فلسفة القانون بكاملها.

viewedالإنترنت غير الشرعي إلى كنف الدولة؟
يعد ملف الإنترنت غير الشرعي، الاختبار الأبرز لفاعلية التنظيم. فقد كشف سرحان أن الهيئة تسلمت الملف، فيما كان عدد المشتركين غير الشرعيين يناهز 800 ألف، مقابل نحو 420 ألف مشترك شرعي، وهو ما يعكس حجم الاقتصاد الموازي الذي نشأ داخل القطاع.

لكن وزير الاتصالات أعلن أخيرا أن عدد مشتركي الإنترنت غير الشرعي تجاوز مليون مشترك. وإذا صح هذا الرقم، فإن السوق الموازية لم تتراجع، بل واصلت توسعها رغم الإجراءات التنظيمية، ما يطرح علامات استفهام حول مدى فاعليتها.

ويؤكد سرحان أن الهيئة امتنعت عن قطع الخدمة حفاظا على حقوق المواطنين، وقررت البدء بإقفال الشبكات غير الشرعية في السنترالات العشرة التي تتوافر فيها بدائل قانونية، مع نقل المشتركين تدريجا إلى “أوجيرو” أو الشركات المرخص لها، بالتوازي مع تحصيل الرسوم المستحقة للدولة. إنها مقاربة تراعي مصلحة المشتركين، لكنها تعني أيضاً أن إنهاء الظاهرة سيكون تدريجياً ولن يتحقق في وقت قصير.

قانون يُنفذ… جزئيا
لا تقتصر الإشكالية على الإنترنت غير الشرعي، بل تمتد إلى طريقة تطبيق القانون نفسه. فالهيئة تمارس اليوم صلاحيات واسعة تشمل إعطاء التراخيص، وتنظيم الترددات، ووضع الأطر التنظيمية للألياف الضوئية، وفتح المجال أمام شركات جديدة، بينما لا يزال “ليبان تيليكوم” الذي يشكل أحد أعمدة القانون، غير موجود بعد أكثر من عشرين عاماً على صدوره.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية، فالهيئة أُنشئت لتنظم سوقاً يفترض أن تكتمل مؤسساتها كما رسمها القانون، لا أن تعمل في غياب أحد أركانه الرئيسية. وهذا الواقع يطرح سؤالا عما إذا كان القانون ينفذ كمنظومة متكاملة، أو يجري تطبيق الجزء المتعلق بالتنظيم فقط، فيما تبقى بقية أحكامه معلقة.

ويقرّ سرحان بأن إنشاء “ليبان تيليكوم” لا يزال مرتبطاً بحل ملف نقل الموظفين من وزارة الاتصالات و”أوجيرو”، ما يؤكد أن العقدة الأساسية قانونية وإدارية أكثر منها تقنية.

“ستارلينك”: المتطلبات التقنية اكتملت
في ملف “ستارلينك”، أنجزت المتطلبات التقنية والأمنية الأساسية، إذ جرى إنشاء النسخ المحلية للبيانات على خوادم “أوجيرو” داخل لبنان، وأكدت الأجهزة الأمنية، بعد الاختبارات، أن البيانات تحفظ محلياً ولا يمكن الوصول إليها من خارج البلاد.

أما المرحلة الأخيرة فتتعلق بالإطار التنظيمي، إذ يتطلب تشغيل الخدمة وجود موزع محلي يتولى بيعها وتركيب معداتها وتقديم الدعم الفني، إضافة إلى تطبيق إجراءات التعرف إلى هوية المشتركين (KYC) وآلية استيفاء الرسوم المستحقة للدولة.

السؤال اليوم لم يعد يقتصر على كيفية تنفيذ القانون، بل هو: هل أحكامه لا تزال تعكس واقع قطاع الاتصالات؟

عندما وُضع القانون عام 2002، كان يعبّر عن توجه عالمي يقوم على تحرير الأسواق والخصخصة وتشجيع المنافسة. أما اليوم، فتبدلت الأولويات جذريا، وأصبحت السيادة الرقمية وحماية البنى التحتية للاتصالات والأمن السيبراني والبيانات الوطنية، في صلب السياسات التي تعتمدها معظم الدول.

لذلك، لم تعد المشكلة محصورة في تأخر تنفيذ بعض أحكام القانون، بل في أن جزءاً من فلسفته بات يحتاج إلى مراجعة في ضوء التحولات التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين.

ولا يقتصر الأمر على تحديث قواعد الخصخصة أو تنظيم السوق، بل يشمل أيضاً ملفات لم تكن مطروحة عند صدور القانون، مثل حماية البيانات، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وشبكات الجيل الخامس، والسيادة الرقمية، إلى تعزيز استقلالية الهيئة الناظمة، وتحديث قواعد إدارة الطيف الترددي والخدمة الشاملة.

وفي المقابل، يبقى ملف الموظفين ركناً أساسياً في أي إصلاح، بما يضمن حماية حقوق العاملين في وزارة الاتصالات و”أوجيرو”، ويزيل العقبات التي عطلت إنشاء “ليبان تيليكوم”.

من هنا، تبدو مراجعة المواد 44 و46 و49 مدخلاً طبيعيا لتحديث القانون واستكمال تنفيذه، بما ينسجم مع تحديات عام 2026، لا مع واقع مطلع الألفية.

صحيح أن العمل التنظيمي في قطاع الاتصالات حقق زخما واضحا خلال المرحلة الأخيرة، إلا أن الإصلاح لا يقاس بعدد القرارات أو التراخيص، بل بمدى اكتمال المنظومة القانونية والمؤسساتية التي نص عليها قانون الاتصالات.

وبعد أكثر من 20 عاما على صدوره، لم يعد التحدي يقتصر على استكمال تنفيذ القانون، بل أصبح يشمل أيضاً تحديثه ليواكب التحولات التكنولوجية والجيوسياسية، ويحفظ في الوقت عينه السيادة الرقمية وحقوق الدولة والعاملين فيها. عندها فقط يمكن الحديث عن إصلاح متكامل للقطاع، لا عن تنفيذ جزئي لقانون وُضع في ظروف تختلف جذريا عن واقع اليوم.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى