ابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص- المقاهي القديمة في بيروت… ذاكرة العاصمة التي قاومت الحروب والأزمات

لم تكن المقاهي القديمة في بيروت مجرد أماكن لاحتساء القهوة أو تمضية الوقت، بل شكّلت على مدى أكثر من قرن فضاءات ثقافية وسياسية واجتماعية صنعت جزءاً كبيراً من هوية العاصمة اللبنانية. فمنها خرجت قصائد، وولدت أفكار، وعُقدت لقاءات بين الأدباء والسياسيين والفنانين، وتحولت طاولاتها إلى منابر للنقاش الحُر في مختلف القضايا. ورغم ما شهدته بيروت من حروب وأزمات اقتصادية وانفجار مرفأ بيروت عام 2020، لا تزال بعض هذه المقاهي صامدة، فيما اختفى بعضها الآخر تاركاً وراءه إرثاً يصعب تعويضه.

المقاهي… جزء من تاريخ بيروت
مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بدأت المقاهي تنتشر في أحياء بيروت القديمة، ولا سيما في وسط المدينة، والحمرا، ورأس بيروت، والجميزة، ومار مخايل. وكانت تشكل ملتقى للتجار والطلاب والمثقفين والوافدين إلى العاصمة.


ومع ازدهار بيروت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تحولت المقاهي إلى مؤسسات ثقافية حقيقية، تستضيف الشعراء والروائيين والصحافيين والفنانين، حتى لُقبت المدينة آنذاك بـ”باريس الشرق”.

مقهى الروضة… أيقونة البحر
يقع مقهى الروضة على كورنيش المنارة، ويُعد من أقدم المقاهي التي ما زالت تستقبل روادها حتى اليوم.
ويتميز بإطلالته المباشرة على البحر الأبيض المتوسط، ويجمع بين مختلف الفئات الاجتماعية، من كبار السن الذين اعتادوا ارتياده منذ عقود، إلى الشباب والسياح. ولا تزال جلساته الشعبية وألعاب الورق والطاولة والنرجيلة تشكل جزءاً من المشهد اليومي للمقهى.

مقهى الويمبي… ذاكرة شارع الحمرا
افتُتح مقهى الويمبي في شارع الحمرا خلال سبعينيات القرن الماضي، وأصبح سريعاً ملتقى للمثقفين والطلاب والإعلاميين.
واكتسب شهرة واسعة بعد عملية المقاومة التي نفذها الشهيد خالد علوان ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 أمام المقهى، ليتحول لاحقاً إلى محطة وطنية وتاريخية في ذاكرة اللبنانيين.

مقاهي الحمرا… الجامعة المفتوحة
كانت منطقة الحمرا تضم عشرات المقاهي الشهيرة، التي احتضنت كبار الأدباء والمفكرين العرب، ومن أبرزها:
مقهى الهورس شو (Horse Shoe)، الذي كان ملتقى للصحافيين والكتاب.
مقهى فيصل.
مقهى ستراند.
مقهى كافيه دو باري.
وشهدت هذه المقاهي لقاءات شخصيات أدبية وسياسية عربية بارزة، وأسهمت في الحركة الفكرية التي عرفتها بيروت خلال القرن العشرين.

مقاهي ساحة البرج… ذاكرة ما قبل الحرب
قبل الحرب الأهلية اللبنانية، كانت ساحة البرج (ساحة الشهداء حالياً) تضم عدداً كبيراً من المقاهي التاريخية التي شكلت قلب الحياة الاجتماعية في العاصمة.
وكانت تلك المقاهي تستقبل التجار والمسافرين ورواد المسرح، إلا أن معظمها اختفى مع إعادة إعمار وسط بيروت بعد الحرب.

 

المقهى… منتدى سياسي وثقافي
لعبت المقاهي دوراً محورياً في الحياة العامة اللبنانية، إذ كانت مكاناً للنقاش السياسي وتبادل الآراء وإطلاق المبادرات الثقافية.
كما شهدت ولادة العديد من الصحف والمجلات، واحتضنت لقاءات أدبية وشعرية، وتحولت إلى فضاءات مفتوحة للحوار بين مختلف التيارات الفكرية.
تأثير الحرب والأزمات
أثرت الحرب الأهلية (1975-1990) بشكل كبير على المقاهي البيروتية، إذ أُقفل عدد كبير منها أو تعرض للدمار.
وفي السنوات الأخيرة، جاءت الأزمة الاقتصادية، ثم جائحة كورونا، وأخيراً انفجار مرفأ بيروت، لتوجه ضربة جديدة إلى هذا القطاع، ما أدى إلى إقفال العديد من المقاهي التاريخية أو تغيير هويتها.

المقاهي التراثية اليوم
رغم التحديات، لا تزال بعض المقاهي تحافظ على طابعها التراثي، مستقطبة اللبنانيين والسياح الباحثين عن أجواء بيروت القديمة.
وأصبحت هذه المقاهي جزءاً من السياحة الثقافية، حيث يقصدها الزوار للتعرف إلى تاريخ العاصمة والاستمتاع بالأجواء التقليدية التي تجمع بين القهوة اللبنانية والعمارة القديمة والذاكرة الجماعية.

تحديات الحفاظ على التراث
يؤكد باحثون في التراث العمراني أن المقاهي القديمة تحتاج إلى خطط لحمايتها، باعتبارها جزءاً من الذاكرة الثقافية للبنان، من خلال:
-إدراج بعضها ضمن الأبنية التراثية المحمية.
-تشجيع أصحابها على الحفاظ على طابعها التاريخي.
-إدخالها ضمن المسارات السياحية والثقافية.
-توثيق تاريخها وشهادات روادها قبل اندثارها.
وتبقى المقاهي القديمة في بيروت أكثر من مجرد أماكن للجلوس؛ فهي صفحات حيّة من تاريخ العاصمة، وشاهد على مراحلها السياسية والثقافية والاجتماعية. وبين من لا يزال يحتفظ برائحة القهوة القديمة وضجيج النقاشات، ومن أصبح مجرد ذكرى في صور الأبيض والأسود، تستمر هذه المقاهي في سرد حكاية مدينة قاومت الحروب والأزمات، وما زالت تحافظ على جزء من روحها وهويتها.

 

بواسطة
سوسن بركة
المصدر
خاص موقع Leb Economy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى