علاقة عون – بري: حسابات سياسية باردة ولا أوهام (النهار 31 تموز)

عندما يحتل لقاء رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري صدارة المادة الإخبارية، من دون التقليل من أهمية الحدث، فهذا دليل إفلاس سياسي في لبنان.
بعد أربعة أشهر يلتقي الرئيسان وسط سيل من الأحداث والتطورات على وقع الأخطار الإسرائيلية المتواصلة التي تهدد أرض الجنوب وأهله، مع الإشارة إلى أن قنوات التواصل بينهما لم تتعطل، وقد عززتها كيمياء متبادلة، رغم اختلافهما على المفاوضات المباشرة. وإذا كانا يجتمعان ويصممان على التخلص من الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وعودة الأهالي إلى بلداتهم وبسط سيادة الدولة وأن يكون كل السلاح تحت سلطة الجيش، وهذا ما قاله بري تحت قبة البرلمان، فهما يعرفان أن تحقيق معادلة انسحاب إسرائيلي شامل وبت سلاح “حزب الله” لن يترجم من دون تفاهم أميركي- إيراني أولا.
إسرائيل لن توفر فرصة
لم يكشف رئيس المجلس أمام زواره مضمون ما تناوله وعون، خصوصا في ملف المفاوضات وملاحظاته عليها، إذ لم يعد في حاجة إلى الإثبات أن إسرائيل لن توفر فرصة ولا ذريعة لبقاء قواتها في الجنوب، ولو أن مندرجات اتفاق الإطار تصب في مصلحتها، مع توجه بنيامين نتنياهو إلى استثمارها في حملته الانتخابية في الكنيست ليستمر على رأس الحكومة. وإذا كان دعم الجيش وحفظ السلم الأهلي من المسلمات البديهية عند الرئيسين، فلا أحد يتوقع انتزاع موقف من بري يتبنى فيه المفاوضات المباشرة، مع تكراره قبل توجه عون إلى البيت الأبيض أن زيارته، إذا أدت إلى وقف لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي حقيقيين، فيصبح عنده كلام آخر.
صحيح أن المكون الماروني والمسيحي في شكل عام يذهب إلى النهاية مع عون في سلوك خيار المفاوضات المباشرة واحتضان بكركي له، إلا أن حال بري تختلف، ليس من باب عدم تقبله هذا الطرح وتأثره بمدرسة الإمام موسى الصدر فحسب، بل لأن الفئة الكبرى من الشيعة لا تهضم هذه المفاوضات نتيجة أسباب لا يمكنه تجاوزها بسهولة.
ويبقى اعتراض بري موضوعيا على المفاوضات، على عكس رؤية “حزب الله” الذي يرفضها جملة وتفصيلا، ولو أن أسئلة شيعية ليست معادية للحزب أخذت تطرح علامات استفهام حول جدوى الحرب مع إسرائيل في ظل كل ما توصلت إليه من تطور عسكري في العقدين الأخيرين.
يتفهم ظروفه
بالعودة إلى علاقة عون وبري والغوص قي قراءاتها، لوحظ أن رئيس الجمهورية يصرّ في حلقاته الضيقة على الإدلاء بـ”كلام إيجابي” حيال بري، ويقول ولو بطريقة غير مباشرة إنه يتفهم ظروفه وموقعه في الطائفة الشيعية وعلاقته بالحزب، ولا يُفهم من هذا الكلام أن رئيس المجلس يؤيد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
في المقابل، سياسة القطيعة ليست واردة في قاموس بري، وخصوصا مع رئيس الجمهورية، ولو اختلفا في مقاربة ملف المفاوضات. وتُبيّن الوقائع أن علاقة بري مع رؤساء الجمهورية تخللها مد وجزر طويلان منذ عام 1992، ولم تكن الطريق معبدة بالورود في كثير من المحطات، ولو أن الرئيس الراحل الياس الهراوي بقي الأحب على قلبه.
ولا يمكن تغييب العامل السوري آنذاك الذي كان يمسك بمفاتيح البلد، إلى حين استشهاد الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005.
من هنا يمكن تجسير العلاقة بين عون وبري وفق معادلة سياسية حسابية باردة ومن دون أوهام، ولو أن علاقتهما الشخصية إيجابية، إلا أن الملفات الساخنة والعالقة التي تهدد البلد تتطلب تنسيقا مفتوحا بينهما يشمل الرئيس نواف سلام أيضا، لجبه سيل التحديات.



