أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

لغز مقتل العماد نجيم والمقدّم حرب في تحطّم طوافة جبل أيطو (نداء الوطن 31 تموز)

عصر السبت 24 تموز 1971، أقلعت من أمام قصر رئيس الجمهورية سليمان فرنجية في إهدن طائرة هليكوبتر من نوع “Alouette 3″، تقلّ قائد الجيش العماد جان نجيم، في طريقها إلى بيروت. ولم تمضِ دقائق حتى اصطدمت بجبل أيطو القريب من إهدن، المعروف بـ”قرن أيطو”، وسقطت.

نُقل العماد نجيم والمقدّم فؤاد حرب إلى المستشفى العسكري في بيروت، لكنهما كانا قد فارقا الحياة، فيما أُصيب الرقيب الفنّي حسن محمد زيعور بجروح بالغة، لكنه نجا من الموت.

أحدث مقتل العماد نجيم زلزالا في البلد، وفي 27 تموز سار لبنان كلّه خلف نعشه، حيث أُقيم له جناز رسمي وشعبي في كاتدرائية مار جرجس المارونية في بيروت، شارك فيه جميع أركان الدولة وسفراء الدول ولبنان بأسره، ثم نُقل إلى مسقط رأسه كفرتيه في كسروان.

من هو العماد جان نجيم؟

هو جان يوسف نجيم، من بلدة كفرتيه الكسروانية، من مواليد عام 1915، متأهّل وله ولدان. تطوّع في المدرسة الحربية في حمص سنة 1933، ورُقّي إلى رتبة ملازم سنة 1935، ثم رُقّي إلى رتبة عماد وعُيّن قائدًا للجيش في 7/1/1970.

ماذا جرى معه يومها؟

حتى اليوم، وبعد 55 سنة، ما زال الغموض يلفّ ما جرى يومها. فالبعض يجزم بأن الحادث كان مدبّرًا، فيما يشير البعض الآخر إلى أنه كان حادث قضاء وقدر.

يومها، توجّه العماد نجيم للقاء رئيس الجمهورية في إهدن، حيث كان يقضي فصل الصيف. وبعد تناول طعام الغداء، طلب منه الرئيس فرنجية البقاء لبعض الوقت، لأن سوء الأحوال الجوية يشكّل خطرًا على الطائرة، إذ كان هناك ضباب كثيف يُسمّى في الشمال “الغربية”. بقي العماد نجيم لنحو ساعتين، ثم غادر بالطائرة بعدما قال له الطيار إن بإمكانهم الطيران، فوقع الحادث.

 

هل كان حادثًا مدبّرًا؟

يقول الرائد جان القاصوف، وكان يومها من ضباط الشعبة الثانية، “مخابرات الجيش”، في الشمال: “كانت قناعة الجميع وقتها أنه كان حادثًا مدبّرًا. وما عزّز هذه القناعة لدى الشعبة الثانية أن رقيبًا من رشعين، من آل ساسين أو معتوق، كانت مهمته حراسة الطائرة في مهبط إهدن، وُجد مقتولا بعد أيام عدة، وقيل إنه انتحر”.

ويضيف: “حتى في تقرير الجيش، هناك إشارة إلى إمكان وجود خلل ما في محرّك الطائرة. فهل أجرى أحد ما عملية تخريب في محرّك الطائرة، وشاهده الرقيب من رشعين أو لاحظ شيئًا ما، فقُتل؟ وهل انتحر حقًا؟”.

وعن ظروف حادث الطوافة، يقول العميد غابي لحود لغسان شربل في كتاب “ذاكرة الاستخبارات”: “كان العماد جان نجيم يتمتّع بكفاءة عسكرية ممتازة، ومناقبية عالية، ونضج سياسي، وهو من الخط الشهابي، بمعنى تعلّقه الشديد بفكرة الدولة والمؤسسات والتوازن. ولا أملك معلومات محددة عن ملابسات مقتله، وليست لديّ أدلة، لكنني أطرح أكثر من علامة استفهام حول الحادث، وأتمنى أن تنجلي الحقيقة في شأنه”.

ويضيف: “أطرح علامات استفهام لشعوري بأن مقتله سهّل التدهور الذي قاد إلى الحرب، وأعتقد بأنه ما كان ليسمح بأن تصل الرغبة في الثأر من ضباط الشعبة الثانية إلى حدّ إضعافها، وتاليًا إضعاف الجيش”.

ويختم: “تحقيق الجيش الرسمي قال إن عطلا في الطائرة أدّى إلى الحادث، لكن كل شيء ممكن”.

ماذا يخبر العقيد جوني عبدو الذي كان يومها مرافقًا للعماد نجيم؟

يقول العقيد جوني عبدو: “كنا في إهدن، وبعد انتهاء الغداء، طلب الرئيس فرنجية من العماد نجيم البقاء لبعض الوقت، حتى تخفّ الغربية، إذ لا يمكن الطيران في هذا الجو. فطلب مني العماد نجيم التوجّه برًا إلى مطار بيروت لاستقبال ابنته ندى العائدة من إنكلترا، لأنها لا تعرف شيئًا في المطار”.

ويتابع: “غادرت إلى مطار بيروت واستقبلت ابنته، وهناك وصلني خبر سقوط الطائرة، وأن قائد الجيش أُصيب ونُقل إلى المستشفى العسكري. فأسرعت إلى هناك، وتأكدت من مقتل العماد نجيم. وسرعان ما وصل الرئيس فؤاد شهاب، وكان أول الواصلين، فأخبرته بالفاجعة. فكان ردّ الرئيس السابق أن مصيبة كبيرة حلّت بالبلد. ولدى استفساري منه، قال: ليس لدى الضباط الذين يمكن أن يتسلّموا قيادة الجيش بعد العماد نجيم الكفاءات المطلوبة. وغادر مطرقًا، والحزن واضح عليه”.

ويختم العقيد جوني عبدو بالقول: “صدق كلام الرئيس شهاب، فقد اضطر الرئيس فرنجية إلى استدعاء إسكندر غانم من الاحتياط، وترفيعه إلى رتبة عماد، وتعيينه قائدًا للجيش، في خطوة عدّها البعض غير قانونية”.

“وهج الفدائي”

يخبر زياد الحمصي أنه تلقّى اتصالا من زهير محسن، رئيس الدائرة العسكرية في منظمة التحرير الفلسطينية وقائد منظمة الصاعقة، أبلغه فيه بمقتل العماد نجيم، وطلب منه ارتداء بدلة عسكرية ووضع شارة الملازم أول، مع أنه لم يكن بهذه الرتبة، والتوجّه مع ثلاثة مقاتلين إلى جنازة قائد الجيش، حاملين إكليل ورد كبيرًا باسم منظمة التحرير الفلسطينية – الدائرة العسكرية.

ويتابع: “كان التشييع في وسط بيروت، قرب مسجد محمد الأمين حاليًا. أوقفنا السيارة قرب القصر الحكومي، وانطلقنا سيرًا على الأقدام، وكانت الجموع تأتي من كل حدب وصوب، فقد كان العماد نجيم شخصية محترمة ومحبوبة. وعندما وصلنا إلى مدخل الشارع المطلّ على مجلس النواب، تقدّمنا بخطوات عسكرية حاملين الإكليل، فراحت الناس تصفّق لنا، وكان التصفيق يرتفع كلما تقدّمنا نحو مدخل الكنيسة”. ويختم: “يومها، كان وهج الفدائي أعظم مما تتخيّلون”.

رُفع نصب في مكان سقوط الطوافة

وُضع نصب تخليدًا للعماد نجيم والمقدّم حرب في مكان سقوط الطوافة في جبل أيطو، في محلة وعرة يصعب الوصول إليها إلا للصيادين وهواة التخييم في الطبيعة.

والنصب عبارة عن مجسّم من الباطون، بالإضافة إلى صخرة نُقش عليها: “تخليدًا لذكرى استشهاد العماد جان نجيم، قائد الجيش، والمقدّم الطيّار فؤاد حرب – السبت 24 تموز 1971″.

بعد 51 عامًا على سقوط الطوافة، أحيا وزير الإعلام السابق زياد مكاري، سنة 2022، ذكرى العماد جان نجيم ورفيقه، في حلقة تلفزيونية عرضها تلفزيون لبنان، تناولت سيرته وظروف حادث سقوط الطائرة.

وفي تلك الحلقة، نفى الوزير إلياس سابا أن يكون الحادث جريمة قتل، وأشار إلى أنه كان سيكون من ضمن ركاب الطائرة، شارحًا طبيعة الطقس و”الغطيطة” التي تسبّبت بالحادث. وقال إن الرئيس فرنجية نصح العماد نجيم بعدم ركوب الطوافة والعودة برًا، لكنه أصرّ على العودة جوًا.

وردّ ضابط سابق على كلام الوزير سابا بالقول: “حتمًا، إن كان هناك حادث مدبّر، فلن يكون بمعرفة الرئيس فرنجية أو الوزير سابا أو أي من المسؤولين. فهذه الجرائم يُخطّط لها في غرف المخابرات، وتنفّذها حلقة ضيقة جدًا، قد تكون شخصًا واحدًا”.

سقوط طوافة اللواء نديم الحكيم

سنة 1985، سقطت في المكان نفسه، وفي الظروف المناخية نفسها، طوافة عسكرية كانت تقلّ رئيس الأركان في الجيش اللبناني اللواء نديم الحكيم وقائد اللواء السابع العميد نهرا الشالوحي، ما أدّى إلى استشهادهما. بعد هذه الحادثة، توقّف تقريبًا الحديث عن حادث مدبّر أودى بالعماد نجيم، وإن بقيت لدى البعض شكوك بشأن حادث طوافة العماد نجيم، نظرًا إلى ما كانوا يعرفونه عن خفايا تلك المرحلة.

ما كانت خفايا تلك المرحلة؟

هناك صفحة من تاريخ العماد جان نجيم، بعد تسلّمه قيادة الجيش في 8 كانون الثاني 1970، غير معروفة بوضوح حتى الآن، ويُعتقد أن قلة نادرة كانت مطّلعة عليها، وهي إدراكه للخطر الفلسطيني بعد شروع الفصائل الفلسطينية في مخالفة بنود اتفاق القاهرة. وكان العماد نجيم أول من أدرك، قبل أيار 1973 بسنوات، صعوبة حسم الجيش الوضع في لبنان.

يقول جوزف أبو خليل: “لست مطّلعًا على تفاصيل الاتصالات التي كانت تجري بين العماد نجيم والمسؤولين في القوى النظامية الكتائبية، وما أستطيع تأكيده هو أنه كانت هناك خطوط اتصال مع الشهيد وليم حاوي، وعلمت أيضًا بوجود اتصالات مع مقرّبين من الرئيس كميل شمعون، أبرزهم الشهيد نعيم بردقان”.

ويؤكد عدد من الضباط السابقين وبعض المسؤولين يومها في حزبي الكتائب والأحرار أن العماد نجيم كان مطّلعًا بشكل تفصيلي على ما كان يحصل يومها، وكان قلقًا من التقارير التي كانت تصله، ويحاول دراسة كيفية مواجهة الخطر القادم.

وهناك رواية أيضًا، غير واضحة كثيرًا، نُقلت عن أحد المسؤولين الكتائبيين، تقول إن العماد نجيم كان له مسعى، أو إنه سهّل دخول شحنة أسلحة خفيفة إلى لبنان لمصلحة الكتائب والأحرار، أحضرها تاجر سلاح من القليعة الجنوبية يُدعى كلوفيس فرنسيس، ومعه شخص من فتوح كسروان. ودفع ثمنها بعض الأثرياء المسيحيين، أبرزهم الشيخ بطرس الخوري وجورج أبو عضل.

نعود إلى السؤال الأساسي: هل كان حادث الطائرة يومها مدبّرًا؟

يقول أبو خليل: “نعم، كانت هذه قناعتنا”. أمّا المحامي إيلي أسود، وكان يومها مسؤولا في منظمة طلاب حزب الوطنيين الأحرار، فيقول إن الجو العام في البلد يومها كان مقتنعًا بأن الحادث كان مدبّرًا. ويضيف: “كان وضع البلد وقتها يتّجه نحو المواجهة مع الفلسطينيين الذين لم يلتزموا باتفاق القاهرة، وكانت أحزابنا قد بدأت استعداداتها للدفاع عن الوطن، ولم يكن العماد نجيم بعيدًا عن هذا الجو»”.

ويخالف اللواء سهيل خوري الروايات التي تقول إن الحادث كان مدبّرًا، ويقول: “كنت وقتها برتبة ملازم، واطّلعت لاحقًا على بعض التحقيقات التي لم تثبت أن الحادث كان مدبّرًا. لكن لا يمكن تغيير قناعات الناس، خصوصًا أن الإشاعات تنتشر بسرعة، ومن الصعب تكذيبها”.

حتى اليوم، يجزم عدد من الضباط السابقين والمسؤولين الحزبيين بأن حادث الطوافة كان مدبّرًا.

وسيبقى السؤال مطروحًا: هل كان الحادث مدبّرًا أم قضاءً وقدرًا؟

 

بواسطة
نبيل يوسف
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى