أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

هل دخل لبنان حسابات صراع الطاقة في شرق المتوسط؟ (النهار 29 تموز)

تحولت الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط، من خطوط قانونية ترسمها الاتفاقات الدولية، إلى إحدى ساحات التنافس الجيوسياسي على الطاقة والنفوذ. فكل اتفاق لترسيم الحدود بات يحمل أبعادا تتجاوز تثبيت الحقوق السيادية، ليصبح جزءا من معادلة إقليمية تتداخل فيها مشاريع الغاز، ومسارات الأنابيب، والتحالفات السياسية، وحسابات أمن الطاقة الأوروبي.

من هذا المنطلق، اكتسب اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص أهمية تتجاوز إطاره الثنائي، بعدما أعاد تركيز الضوء على موقع لبنان ضمن خريطة الطاقة في شرق المتوسط، وأثار تساؤلات عن أسباب الامتعاض التركي وما إذا كان يعكس خلافا قانونيا مرتبطا بقضية قبرص، أو أنه رسالة سياسية متصلة بصراع المحاور ومشاريع نقل الغاز إلى أوروبا.

بين نفي رسمي لأيّ أزمة مع أنقرة، وقراءات تربط الملف بصراع مشاريع الطاقة، هل أصبح لبنان لاعبا في معادلة إقليمية تتجاوز حدوده البحرية؟

تثبيت للحقوق قبل أن يكون اتفاقا
يشكل اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص خطوة قانونية وسيادية تتيح للبنان تثبيت حدوده البحرية وفق قواعد القانون الدولي، وتعطيه إطارا واضحا لاستثمار موارده الطبيعية في منطقته الاقتصادية الخالصة.

ولم يأتِ الاتفاق في توقيت عشوائي، بل تزامن مع تحولات إقليمية ودولية دفعت ملف الطاقة إلى واجهة الأولويات. فالأزمة الاقتصادية اللبنانية فرضت البحث عن موارد جديدة، فيما أعادت الحرب الروسية ـ الأوكرانية رسم أولويات أمن الطاقة الأوروبي، لتصبح حقول الغاز في شرق المتوسط أكثر أهمية من أي وقت مضى. كذلك ساهم المناخ السياسي الداخلي الأكثر هدوءا في إنجاز الاتفاق.

إلا أن هذه الخطوة، على أهميتها، لا تعني انتهاء الملفات الحدودية. فلا تزال الحدود البحرية مع سوريا تحتاج إلى معالجة، في ظل تداخل بعض المناطق البحرية واحتمال وجود مكامن غاز مشتركة، كما يبقى ملف مزارع شبعا وترسيم الحدود البرية مع سوريا جزءا من استحقاقات السيادة التي تنتظر حلولا نهائية.

لماذا انزعجت تركيا؟
الاعتراض التركي على الاتفاق ليس جديدا، إذ يرتبط أساسا بالموقف التركي من قضية قبرص. فأنقرة ترفض أيّ اتفاقات بحرية لا تراعي، بحسب رؤيتها، حقوق القبارصة الأتراك.

خلف هذا الاعتراض القانوني يكمن بعد آخر أكثر ارتباطا بالجغرافيا السياسية للطاقة. فالمنطقة تشهد منذ سنوات تنافسا بين مشروعين كبيرين: الأول تقوده قبرص واليونان ومصر وإسرائيل، ويراهن على تصدير غاز شرق المتوسط إلى أوروبا عبر مسارات بحرية. والثاني تقوده تركيا، التي تسعى إلى تكريس نفسها بوصفها الممر الأكثر جدوى لنقل الغاز إلى القارة الأوروبية.
من هنا، فإن أيّ تقارب لبناني ـ قبرصي يُقرأ في أنقرة بوصفه خطوة قد تدفع بيروت، ولو تدريجا، إلى الاقتراب من المحور المقابل، وهو ما يفسر، وفق هذه المقاربة، الحديث عن استياء تركي من الاتفاق.

في المقابل، تنفي مصادر في وزارة الطاقة أيّ توتر في العلاقات اللبنانية – التركية، مؤكدة أن “الوزارة ليست على علم بما يتداول عن امتعاض تركي”، وأن “التواصل بين الجانبين مستمر طبيعيا”.

وتشير المصادر إلى أن “العمل على تطوير العلاقات الثنائية قائم، وأن هناك تحضيرا لزيارة مرتقبة لتركيا، ما يعني أن ما يثار إعلاميا لا يستند حتى الآن إلى معطيات رسمية”.

القيسي: رسائل استباقية
خبيرة النفط والطاقة ديانا القيسي تقرأ المشهد من زاوية مختلفة، فترى أن ما يجري لا يعكس أزمة فعلية بقدر ما يمثل رسائل سياسية استباقية فرضتها التحولات الأخيرة في ملف الطاقة اللبناني.

وتلاحظ أن “اتفاق الترسيم مع قبرص شكل أحد أسباب الانزعاج التركي، بعدما كانت أنقرة قد أعلنت اعتراضها عليه”. وتضيف إلى ذلك، الاتفاق المبرم مع الشركة المصرية لإعادة تشغيل الجزء الممتد من بانياس إلى لبنان ضمن مشروع خط الغاز العربي، معتبرة أن الخطوتين معا تعكسان حراكا لبنانيا في ملف الطاقة.

وبحسب القيسي، فإن “أنقرة تسعى إلى استباق أيّ مسار قد يقود مستقبلا إلى انضمام لبنان إلى منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يضم مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، ويرتبط بمشروع نقل الغاز إلى أوروبا بعيدا من الأراضي التركية”.

إلا أنها تؤكد، في الوقت عينه، أن “لبنان لم يتلقَّ أي دعوة رسمية للانضمام إلى المنتدى، وكل ما يُتداول لا يزال في إطار التحليلات والرسائل السياسية، لا القرارات التنفيذية”.

أين مصلحة لبنان؟
بعيدا من الانقسام بين المحاور، ترى القيسي أن “مصلحة لبنان يجب أن تبنى على الاقتصاد لا السياسة. فالإفادة من الموقع الجغرافي للبنان، وتطوير منشآت النفط في الزهراني وطرابلس، وتعزيز قدرات المرافئ اللبنانية، كلها عناصر تجعل من لبنان منصة إقليمية محتملة لخدمات الطاقة، حتى قبل أن يصبح دولة منتجة للغاز”.

وتشير إلى أن “المستثمرين في قطاع الغاز لا يكتفون بوجود الاحتياطات، بل يبحثون أولا عن الأسواق وشبكات النقل. لذلك فإن انفتاح لبنان على الأسواق الإقليمية، وتوفير خيارات متعددة لتسويق الإنتاج مستقبلا، يشكلان عاملا أساسيا في جذب الاستثمارات”.

في النهاية، تبدو المعادلة اللبنانية أكثر تعقيدا من مجرد اختيار بين تركيا أو قبرص، أو بين منتدى وآخر. فالمصلحة الوطنية تقتضي أن يبقى معيار القرار تعظيم المكاسب الاقتصادية، وترسيخ السيادة، واستثمار الموقع الجغرافي الذي لطالما شكّل أحد أهم عناصر قوة لبنان، إذا أُحسن استخدامه.

 

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى