المناهج الجديدة للتعليم ما قبل الجامعي: إنجاز طال انتظاره

تولي الدول أهمية كبرى للتربية والتعليم في هيكل وجودها. فهي تسعى لبناء الانسان في طيف الأخلاق، والمواطن المسؤول في ركيزة المواطنة والمواطنية، والفرد الواعي في دينامية الدولة وحوكمتها. وتبلور عادة كل هذا الاهتمام من أجل تعميق هوية واثقة لها بين الأمم، وهالة معرفية مواكبة لحداثة العولمة، والتطورات الحضارية المتسارعة في أرجاء العالم.
ويعدّ قطاع التربية والتعليم، القلب النووي لمفاعل المؤسسات في أي دولة؛ فعبر تخصيب الكوادر، تنتعش باقي القطاعات، مثل الدفاع، والصحة، والاقتصاد والمال. وبقدر ما يجوّد هذا المفاعل الحيوي، انتاج الانسان بمقاييسه المعرفة والكفاءة والخبرة، وفي صلبها القيم والأخلاق، بقدر ما يساهم في التغيير. يقول نيلسون مانديلا: “التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم”.
وعلى رغم شهرة لبنان الدولة والوطن، بالمادة الرمادية
لدرجة أن الفيض منها، يختار أبواب الهجرة شرقاً وغرباً، مثبتاً كفاءة عالية حيثما كان، إلا أن الأزمات المتلاحقة التي ضربته، وهو على خط الزلازل الدولية والإقليمية، أعاقت معامل تطويرها، أي تطويره لقطاع التربية. فقد شهد هذا القطاع ركوداً خلال أعوام الحرب الأهلية منذ عام 1975، ثم، بعد انجاز تطوير المناهج وإصدارها عام 1997، عاد الى الركود مجددّاً منتظراً ركب التحديث في عالم تسارع بسرعة الضوء من حوله.
إن إطلاق وثيقة الإطار الوطني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي رسمياً في كانون الأول عام 2022، بعد جهد كبير من كوادر المركز التربوي للبحوث والإنماء وخبرائه، كان البداية الجريئة، وهدف إلى إطلاق الموجة الأولى، وبالتالي الى إحداث ثورة تربوية وتطوير المناهج اللبنانية لتواكب معايير التعليم الحديثة. ثم تم إثراء الإطار بأوراق تربوية تأسيسية وإجرائية، تمهيداً لبناء المناهج وفق الرؤى المعاصرة في عالم تغيّر من حولنا. وتمحور الإطار وأوراقه الداعمة حول تحديث المتعلم وتزويده مهارات القرن الحادي والعشرين للتفكير النقدي والإبداعي، من دون إغفال تعزيز الانتماء الوطني والتربية على القيم والأخلاق الإنسانية والتنمية المستدامة. وسبر التطوير مسار تجويد المواد التعليمة وفتح آفاقها، وإعطائها مسميات معاصرة، وتطوير الكفايات عبر الانتقال من التعليم التلقيني إلى التعليم القائم على المهارات العملية. ولم يغِب عن الإطار والمنهج المنتظر مواكبة العصر، بكل مستجداته التربوية والتكنولوجية. ووُضعت مبادئ صياغة المنهج، المنطلقة من الإصرار على أن المتعلم هو محور عملية التعلم، وأن تلبية حاجات المجتمع ركيزة في هذا التطوير، وصولاً الى مفهوم التعلم للحياة من أجل ربطه بالواقع اليومي والمعاش، وتقاطعه مع سوق العمل.
وعلى رغم الأزمات المتلاحقة التي ألمت بالبلاد، وخلال فترة تقل عن ثلاث سنوات، وفي ظل إصرار رئيسة المركز التربوي للبحوث والانماء البروفسورة هيام اسحق، ومتابعتها
الدقيقة، تمّ إنجاز العمود الفقري لهذا التطوير، أي مصفوفة المدى والتتابع، عبر فريق ضخم من الخبراء والتربويين والأكاديميين من القطاعين الرسمي والخاص؛ لأن المركز يؤمن برسالته “وبالتربية نبني معاً”، وبأن “الانسان ليس إلا ما تصنعه التربية”، كما يقول ايمانويل كانط.
سلم تعليمي جديد
ظهر السلم التعليمي الجديد، تطبيقياً هذه المرة، عبر التقسيم لحلقات منطقية أكثر، مواكبةً لخبرات التحديث، وتم توزيع رياض الأطفال على مرحلتين تأسيسيتين، تليهما مرحلة ثالث مرتبطة بالسنة التمهيدية. وانقسم التعليم الأساسي الى أربع حلقات: (الصفان 2 و3)، (الصفان 4 و5)، (الصفان 6 و7)، (الصفان 8 و9). فيما انقسم الى التعليم الثانوي الى الصف العاشر، ثم الصفين 11 و12، لتظهر وفق المصفوفة الجديدة اختصاصات جديدة، مثل التكنولوجيا والفنون.
إن انقسام السلّم التعليمي في مرحلة التعليم الأساسي إلى أربع حلقات ليس تقسيماً اعتباطياً، بل يقوم على أسس تربوية ونفسية ومعرفية مرتبطة بمراحل نمو المتعلم واحتياجاته التعليمية. ويمكن تفسير هذا التقسيم من خلال اعتبارات عدة مترابطة: مراعاة مراحل النمو النفسي والعقلي حين يمرّ الطفل بمراحل تطور مختلفة (حسيّة، حدسية، ثم عقلية مجردة تدريجاً)، والتدرّج في بناء المعارف والمهارات، وتسهيل التقويم والمتابعة التربوية، وتحقيق الانسجام مع المناهج الحديثة المعتمدة في كثير من الدول المواكبة للحداثة، والتي تعتمد مقاربة الكفايات. ويراعي هذا التقسيم الانتقال التدريجي نحو التعليم الثانوي، بعد الحلقة الرابعة التي تمهّد للمرحلة الثانوية، حيث يبدأ المتعلم بتطوير استقلاليته، واتخاذ قرارات تعلمية من ضمنها الاستعداد للتخصص النسبي.
وإذا كان الطالب اللبناني يختار أحياناً إكمال دراسته في الخارج، فمن المهم أن يتوازى هذا التحديث مع المتغيرات التربوية التي حصلت في العقود الأخيرة في الدول من حولنا، في وقت تجمّدت فيه المناهج اللبنانية. ووفق هذا السلّم التعليمي الجديد، بنى الخبراء مصفوفة المدى والتتابع وفق الرؤى الحديثة، ووفق توجهات الإطار الوطني، من خلال عملٍ دؤوب، واستجابةً لثقافة موحدة في التعاطي مع المنهج، ولرؤية استراتيجية تفتح مجالاته لاستيعاب عملية تطوير مستمر.
ميادين وحقول معرفية
في تطوير مصفوفة المدى والتتابع، والمواءمة لهذا التغيير من جهة السلم التعليمي، غابت تسمية المواد التعليمية التقليدية، لتحل محلها، الحقول. واجتمعت الحقول المنبثقة عن جذر واحد أو متقارب، في ميدان أشمل، يعزز ترابطها. وتمّ تمييز الميادين الآتية:
اللغة والأدب والتواصل، الرياضيات، العلوم، العلوم الإنسانية والاجتماعية، المواطنة، التعلم الاجتماعي والعاطفي/ الانفعالي، الفنون والثقافة، التقانة والمهن، الرياضة والصحة.
وأخذ الخبراء، مطورو المنهج، في الحسبان إرشادات الإطار الوطني 2022، في صوغ كفايات المصفوفة التي تنقسم الى نواتج تعليمية أساسية وفرعية. فحرصوا على أن تضمّن كل الميادين المعرفيّة، مفهوم إنماء المتعلمين وتطوير قدراتهم المختلفة. وأن تتمتّع كل الميادين المعرفيّة بالقدر ذاته من الأهمّيّة ويكمّل بعضها البعض الآخر. وأن يجري تطوير الميادين المعرفيّة بشكل متوازٍ بما يضمن تنفيذ التقاطع المعرفي عند المتعلم والضروري لامتلاكه المعرفة وتطبيقها. كما جرى تطوير كل ميدان معرفي بشكل عمودي، بما يراعي إمكانات المتعلمين النمائيّة بالحسبان، عبر التأكد من أن استراتيجيّة التعليم/ التعلم تتناول الخطوات المناسبة الواجب اتخاذها لاكتساب المفاهيم المعرفيّة والمهارات والمواقف العائدة إليها. كما حصل تطوير المحتويات التعلميّة للميادين المعرفيّة باتباع المقاربة القائمة على الكفايات واستخدام تقنيات التعليم/التعلم المناسبة، والتنبّه إلى الروابط الأفقيّة والتماسك؛ والتقاطع بين الميادين المعرفيّة والحقول/ المواد.
كفايات مستعرضة، كفايات خاصة
ولتحقيق المواءمة بين المنهج وممارسات التدريس، اعتمد الخبراء مقاربات متقاربة ومتقاطعة ومتماسكة، لإنجاز المصفوفة. فميّزت المصفوفة بين الكفايات المستعرضة، العابرة للحقول، والكفايات الخاصة المنبثقة عن الحقول والميادين. وتوزعت الكفايات المستعرضة على كفايات التفكير والتعلم، والكفايات الوطنية والاجتماعية، والكفايات الشخصية، والكفايات البدنية والصحية والبيئية.
بينما تشكلت الكفاية الخاصة المرتبطة بالحقل من معارف ومهارات ومواقف مدعومة بالقيم، يستطيع المتعلمون استثمارها بطريقة مستقلة في وضعيات محددة وجديدة. وكان هناك اهتمام بالغ بالقيم ومنها: العدالة، النزاهة، الاحترام، السلام، الاقتدار، الاستقلالية، والقيم الشخصية. ويرتبط تحقيق الكفاية بالمعارف التأسيسية: القراءة، الكتابة، الحساب، المعرفة الرقمية؛ والمعارف الضرورية: العلمية، الفلسفية والاجتماعية، المدنية والوطنية، الثقافية والفنية، الرياضية والبدنية، الصحية، الإعلامية، الاقتصادية، البيئية، المهنية. وفي كل ميدان، كانت هناك ضرورة للتشبيك بالكفايات المستعرضة، وأحياناً بكفايات قد تتقاطع أجزاء منها، في ميادين أخرى.
إقرار مرسوم المناهج
هذا الجهد الجبار، وفي وقت قياسي على رغم الظروف الصعبة المحيطة بالبلاد، ومن ضمنها حربان متتاليتان سببتا تعطيلاً للمؤسسات وخسائر بشرية ومادية، التقى بتوجهات معالي الوزيرة البروفسورة ريما كرامي، التي كانت بالحرص ذاته على تطوير المناهج وإقرارها، وتحديث هذا القطاع النابض الذي طال انتظاره. وفي 25 حزيران 2026، وعلى طاولة مجلس الوزراء، عرضت وزيرة التربية مرسوم المناهج التربوية الجديدة، والمسوغات الحاسمة لإقراره بعد طول انتظار، فتمت الموافقة على المرسوم 3445، وتمّ إقرار هذا التغيير الذي يعتبر ثورةً تربوية كان لا بد منها بعد التغيرات المتسارعة التي طرأت على العالم.
وكما يقول المثل الشعبي اللبناني: ” كانت النطرة بتحرز”. فالمناهج المطورة وفق مصفوفة المدى والتتابع هي بحجم الانتظار، وثمرتها تطيب حتماً عند دخول هذه المناهج حيّز
التأليف والتطبيق التدريجي في المدارس. والنيّة لدى الجميع ممن ساهموا في رحلة هذه المناهج الى خواتيمها هي بناء الانسان، ليستجيب متغيرات الحاضر، بل ليكون أكثر ثقةً في مواجهة متغيرات المستقبل. مرسوم المناهج تمّ إقراره، وقافلة التأليف والتطبيق سارت وتسير بخطىً حثيثة، وعلى رحالها سوف نشاهد أولادنا، بحلة جديدة، حلّة متعلم وطني، متوازن، متعاون، إنساني، منفتح، مبادر، مثابر، متفكر، ناقد، مبدع، باحث ومتقص. وما كان طموح أولياء الأمر الذي انتظروا طويلاً، إلا أن يروا ولدهم المتعلم، بهذه العباءة، وقد دقت ساعة فرحتهم بها! فهل أجمل من قافلةٍ تنقلهم عبر الزمن الى ترحالٍ معاصر يجدون فيه ذواتهم!



