خريطة الكهرباء في لبنان: أين يستثمر القطاع الخاص وأين حدود الدولة؟ (النهار 27 تموز)

يقترب قطاع الكهرباء من واحدة من أكبر محطات التحول منذ صدور القانون 462 قبل أكثر من 20 عاماً. فبعد استكمال جانب كبير من المتطلبات القانونية والتنظيمية، وانتقال الهيئة الناظمة إلى مرحلة إعداد الأطر التنفيذية ودفاتر الشروط، دعا وزير الطاقة مجلس الوزراء إلى اعتماد ورقة سياسة قطاع الكهرباء التي أعدتها الهيئة، لتكون الإطار الذي ينظم إعادة هيكلة السوق ويفتح الباب أمام استثمارات القطاع الخاص. وبالتوازي، فُتح باب استقبال طلبات الشركات الراغبة في الاستثمار عبر موقع الهيئة، في خطوة تؤسس للمرة الأولى لدخول المستثمرين إلى سوق الكهرباء وفق قواعد واضحة ورقابة مستقلة. ولا تقتصر أهمية هذه المرحلة على استقطاب الرساميل، بل تمتد إلى إعادة رسم خريطة القطاع، وتحديد حدود أدوار الدولة والقطاع الخاص، والانتقال تدريجياً من الاحتكار إلى سوق أكثر تنافسية.
لكن كيف سيدخل القطاع الخاص؟ وفي أي قطاعات سيستثمر؟ ومتى يبدأ تنفيذ هذه الخطة؟
بحسب الهيئة الناظمة للكهرباء، وما تضمنته ورقة سياسة القطاع التي وضع وزير الطاقة جو الصدي الخطوط العريضة لها، فإن الإصلاح يبدأ بتطبيق القانون 462، الذي يقوم على فصل أنشطة مؤسسة كهرباء لبنان إلى 3 قطاعات مستقلة: الإنتاج، والنقل، والتوزيع، بدلاً من احتكار المؤسسة لجميع هذه المهام كما هو قائم اليوم.
الإنتاج… الباب الأول أمام المستثمرين
يشكل قطاع الإنتاج المدخل الأساسي لاستثمارات القطاع الخاص، انطلاقاً من قناعة بأن الدولة لم تعد قادرة على تمويل إنشاء معامل جديدة في ظل الأزمة المالية. لذلك يجري العمل على استقطاب مستثمرين لإنشاء محطات إنتاج جديدة، ولا سيما العاملة بالغاز والطاقة المتجددة.
ووفق النموذج المقترح، لن تبقى المؤسسة المنتج الوحيد للكهرباء، بل سيدخل منتجون مستقلون للطاقة (IPPs) إلى السوق عبر مناقصات تنافسية، بحيث ينشئون معامل جديدة على نفقتهم، ثم يبيعون إنتاجهم إلى شركة النقل الحكومية من خلال عقود شراء طاقة الطويلة الأجل (PPA)، تمتد عادة بين 15 و20 سنة، بما يوفر الضمانات اللازمة لتمويل المشاريع وجذب المصارف والمؤسسات المالية.
أما المعامل الحالية التابعة لمؤسسة كهرباء لبنان، فستنقل إلى شركة عامة جديدة مملوكة بالكامل للدولة في المرحلة الأولى، مع إمكان إشراك القطاع الخاص فيها لاحقاً بنسبة لا تتجاوز 40% من الأسهم، وفق ما ينص عليه القانون، ومن دون أن تكون الدولة ملزمة بذلك.
وتوازياً، تعمل الهيئة بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC) على إعداد الدراسات الفنية والمالية التي تجعل مشاريع الإنتاج الجديدة قابلة للتمويل وأكثر جاذبية للمستثمرين.
النقل… يبقى بيد الدولة
على خلاف الإنتاج والتوزيع، سيبقى قطاع النقل مملوكاً بالكامل للدولة، باعتباره مرفقاً استراتيجياً يرتبط بالأمن القومي وربط الشبكات مع الدول المجاورة، وهو النموذج المعتمد في معظم دول العالم.
وتتولى شركة النقل الحكومية (TRANSCO) شراء الكهرباء من المنتجين على الجهد العالي، قبل بيعها إلى شركات التوزيع، فيما تبقى ملكية الشبكة وإدارتها من المهام السيادية التي تحتفظ بها الدولة.
التوزيع… شركات خاصة تحت رقابة الهيئة
المرحلة الثانية من الإصلاح تتمثل في إعادة هيكلة قطاع التوزيع وإشراك شركات خاصة تتولى تشغيل الشبكات والاستثمار في تطويرها وصيانتها، بدلاً من انتظار قرارات مؤسسة كهرباء لبنان.
وستكون هذه الشركات مسؤولة عن تحسين الخدمة، والحد من السرقات والهدر، واستبدال المحولات وتوسعة الشبكات، على أن تخضع بالكامل لرقابة الهيئة الناظمة.
ولكن توزيع الكهرباء لن يتحول إلى احتكار خاص، إذ ستمنح كل شركة نطاقاً جغرافياً محدداً، لأن إنشاء أكثر من شبكة في المنطقة الواحدة غير ممكن تقنياً واقتصادياً، فيما تبقى التعرفة خاضعة لسقف تحدده الهيئة منعاً لأي استغلال.
كما تنص ورقة سياسة القطاع على استمرار العمل بشركات مقدمي خدمات التوزيع (DSPs) خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتطويرها لاحقاً إلى مشغلي توزيع (DSOs) ضمن الهيكل الجديد لسوق الكهرباء.
الطاقة المتجددة… البداية الأسرع
وفي انتظار اكتمال الإصلاحات الكبرى، تعطي الهيئة أولوية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في مجال الطاقة المتجددة، ولا سيما تلك المنصوص عليها في القانون 318، والتي تقل قدرتها عن 10 ميغاواط.
وقد أُنجزت، بالتعاون مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، النماذج والإجراءات التنظيمية اللازمة للحصول على الأذونات والتراخيص، على أن تُنشر قريباً، بما يسمح لأي مطور من القطاع الخاص بإطلاق مشروعه وفق آلية واضحة.
كما تعمل الهيئة بالتعاون مع مؤسسة الكهرباء على إنشاء مديرية للطاقة البديلة تمهيداً لتطبيق نظام التداول المباشر للكهرباء عبر الشبكة (Peer-to-Peer)، الذي يتيح لأصحاب محطات الطاقة الشمسية بيع الكهرباء مباشرة إلى المستهلكين باستخدام شبكة المؤسسة.
وتؤكد ورقة سياسة القطاع أن مشاريع الطاقة الشمسية والإنتاج اللامركزي والمنتجين العاملين وفق القانون 318/2023 ستصبح جزءاً دائماً من سوق الكهرباء اللبنانية، بما يعزز دور القطاع الخاص في هذا المجال.
توازياً، استكملت الدراسات الفنية والبيئية لمشاريع الرياح والطاقة الشمسية الكبرى، ولم يعد ينقصها سوى تأمين التمويل للانتقال إلى التنفيذ.
متى يبدأ التنفيذ؟
تشير الهيئة إلى أن المرحلة الحالية تتمثل في إقرار ورقة سياسة قطاع الكهرباء في مجلس الوزراء، باعتبارها المرجعية التنفيذية للإصلاح، بالتزامن مع إصدار مرسومين أساسيين، الأول يتعلق بفصل أنشطة القطاع، والثاني بإعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان.
كما تعتمد الورقة الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) كإحدى الركائز الأساسية لتنفيذ المشاريع الجديدة، على أن يتولى المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة إعدادها بالتنسيق مع وزارة الطاقة وهيئة تنظيم قطاع الكهرباء ووزارة المال، فيما تبقى الدولة مسؤولة عن التنظيم والرقابة، ويتولى القطاع الخاص التمويل والتنفيذ والتشغيل في عدد من المشاريع.
شراكة لا خصخصة
يقوم النموذج الذي تقترحه وزارة الطاقة والهيئة الناظمة على شراكة منظمة بين الدولة والقطاع الخاص، لا على خصخصة شاملة لقطاع الكهرباء. فالدولة تحتفظ بملكية شبكة النقل وبصلاحيات رسم السياسات والتنظيم والرقابة، فيما يصبح القطاع الخاص المستثمر والممول والمشغل الرئيسي في مشاريع الإنتاج والطاقة المتجددة، وشريكاً في تطوير خدمات التوزيع، ضمن سوق كهرباء منظمة تخضع لرقابة الهيئة الناظمة، وتهدف إلى جذب الاستثمارات، وإنهاء الاحتكار، وتحسين التغذية الكهربائية.



