أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

بلديات الجنوب: من إدارة محليّة إلى جمعيات خيرية! (الأخبار 27 تموز)

لم تعد البلديات في قرى الجنوب، منذ سنوات الحرب والتهجير، مؤسسات تُعنى بشق الطرقات، وجمع النفايات، وصيانة الإنارة، وإدارة الشأن المحلي. فمع تهديم عشرات القرى ونزوح أهلها، تبدلت الأولويات بالكامل، وتحوّل رؤساء البلديات إلى مديري مراكز إغاثة، ومنسقي مساعدات، ومتابعي ملفات استشفاء، وباحثين يوميين عن بدل إيجار أو فرصة عمل أو سرير في مستشفى.

في المقابل، بدا حضور الحكومة ومؤسساتها وأجهزتها باهتاً إلى حدّ الغياب، بحسب ما يُجمِع عليه عدد من رؤساء البلديات. فبينما كانت الأزمة تكبر عاماً بعد عام، كانت البلديات، بإمكاناتها المحدودة وموازناتها المجمدة، تجد نفسها في مواجهة احتياجات آلاف العائلات، من دون الأدوات أو الموارد التي تخولها القيام بهذا الدور. وهكذا، وجدت المجالس البلدية نفسها تؤدي وظائف لم تُنشأ أساساً من أجلها، فيما بقيت الدولة غائبة عن المشهد.

يقول رئيس بلدية بنت جبيل، محمد بزي، إن البلدية سارعت منذ الأيام الأولى إلى إنشاء منصة إلكترونية لتسجيل أماكن وجود أبناء المدينة وأعدادهم، بالتوازي مع تشكيل خلية أزمة تولت متابعة مختلف الملفات. ويوضح أن البلدية وفرت حصصاً غذائية وفرشاً وحرامات وتكايات، قبل أن تنتقل سريعاً إلى الملفين الأكثر إلحاحاً، وهما الإيواء والاستشفاء.

ويشير إلى أن البلدية تحملت تكاليف علاج عدد كبير من المرضى، ولا سيما كبار السن، لكن المشكلة تكمن في أن بعض المستشفيات تغطي فقط الجزء الذي تدفعه وزارة الصحة، فيما يبقى على المريض تسديد مبالغ قد تصل إلى آلاف الدولارات. ويتساءل: «من أين نؤمّن هذه الأموال؟ وما ذنب الناس الذين خرجوا من قراهم من دون أي شيء، ويعيشون حتى اليوم بلا عمل؟».
ويلفت إلى أن إمكانات البلدية لا تتناسب إطلاقاً مع حجم المسؤوليات، مشيراً إلى أن الموازنة التي تعمل بها لا تزال موازنة عام 2023، فيما لم تبادر الدولة إلى توفير الحد الأدنى من الدعم المالي الذي يمكّن البلديات من القيام بواجباتها.

ويلفت بزي إلى أن مُغتربي بنت جبيل كانوا سنداً أساسياً للبلدية في مواجهة الأزمة، لكنه يؤكد أن المشكلة الأكبر تبقى في ملف بدل الإيواء، إذ إن وعود الدولة كثيرة، لكن التنفيذ غائب. كما يصف الملف الصحي بأنه بالغ الصعوبة، موضحاً أن المستشفيات الحكومية مكتظة، فيما لا تغطي الوزارة جميع الحالات في المستشفيات الخاصة.

الحكومة غائبة والملفان الأكثر إلحاحاً الإيواء والاستشفاء

ولا يقتصر الأمر على الصحة والإيواء، إذ يشير إلى أن البطالة أصبحت تحدياً يومياً، خصوصاً لدى الفئات الأكبر سناً، لذا تحاول البلدية دعم المبادرات الصغيرة عبر حملات تبرعات، كما تنشر باستمرار إعلانات فرص العمل لمساعدة الأهالي على إيجاد مصدر رزق.
أما عيتا الشعب، فيصف رئيس بلديتها أحمد سرور واقع بلدته بأنه أكثر تعقيداً، نظراً إلى أن البلدة كانت تضم صيفاً وشتاءً نحو عشرة آلاف نسمة، وكان معظم أهلها يقيمون فيها بصورة دائمة، ما جعل عدد العائلات النازحة كبيراً جداً مقارنة بقرى أخرى.
ويؤكد أن البلدية أطلقت بدورها منصة لتسجيل الأهالي، وقد انضم إليها معظم أبناء البلدة، لكنها، كما يقول، لم تعد تعمل كبلدية، بل «كجمعية خيرية».

ويشرح أن عيتا الشعب تفتقد إلى عنصر أساسي تعتمد عليه قرى أخرى، وهو الاغتراب. فالمغتربون قليلون، ومن غادر البلدة ليس من أصحاب الإمكانات المالية الكبيرة. لذا، لا تستطيع البلدية الاتكال على دعم الاغتراب كما هو الحال في بلدات أخرى. ويضيف أن غالبية السكان كانوا يعتمدون على الزراعة، وبعد ثلاث سنوات من التهجير استنفد كثيرون ما كانوا يملكونه من مُدّخرات.
ويقول إن أزمة العمل أصبحت خانقة، لأن عدداً كبيراً من النازحين استقر في مناطق تفتقر أصلاً إلى حركة اقتصادية نشطة، ومن يجد عملاً يعمل بأجر متدنٍّ وبصعوبة بالغة.

ولا يخفي رئيس البلدية مرارته، مُعبّراً عنها بالقول: «لا أحد يفكر فينا، بكل صدق. نحن متروكون، وحتى سؤال لا أحد يسأل عنا». ويشير إلى أن ما يصل من مساعدات يقتصر على حصص محدودة من اتحاد بلديات بنت جبيل، وبعض المساهمات من مجلس الجنوب وجمعيات قليلة، بينما «على مستوى الدولة لا شيء يُذكر». ويشدد على أن الأولوية المطلقة اليوم هي تأمين بدلات الإيجار، لأن «الناس تقول إن أحداً لا يموت من الجوع، لكن الإيواء هو المشكلة الأصعب».

ومن ميس الجبل، يروي رئيس البلدية، حبيب قبلان، تجربة مشابهة. فمنذ بداية الأزمة أطلقت البلدية منصة لحصر أماكن نزوح الأهالي وأعدادهم، وتمكنت من تسجيل معظم أبناء البلدة، بالتوازي مع تشكيل خلية أزمة ضمت أعضاء المجلس البلدي ومتطوعين، وقُسمت إلى لجان متخصّصة بالصحة والمساعدات والخدمات.

ويوضح أن القسم الأكبر من أبناء ميس الجبل ملّاكون في مناطق البسطة التحتا ورأس النبع والخندق الغميق والمصيطبة وبرج أبي حيدر، ممّا خفّف نسبياً من أزمة الإيواء مقارنة بقرى أخرى، إلا أن ذلك لم يخفّف الضغوط الهائلة، ولا سيما في القطاع الصحي.
ويقول إن معظم الاتصالات التي تتلقاها البلدية تتعلق بالاستشفاء، وإن البلدية تكفلت بالنسبة الأكبر من فواتير العلاج للأهالي، مضيفاً أن «كل بلديات الجنوب تعمل اليوم كخلايا خدمات اجتماعية بدل أن تعمل كبلديات».
وعن دور الدولة، يجيب: «وين في دولة؟». ويؤكد أن البلدية لم تحصل على دعم يُذكر سوى من مجلس الجنوب وفق إمكاناته، مضيفاً: «أساساً لماذا نذل أنفسنا ونطلب من شخص أو من دولة غير قادرة على تقديم أي شيء؟».

وزيرة الشؤون الاجتماعية…«مش قارية حدا»

يتحدث رؤساء بلديات القرى الحدودية عن غياب التواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية، رغم تفاقم الأوضاع الإنسانية للنازحين.
ويقول رئيس بلدية بنت جبيل، محمد بزي، إن البلدية طلبت مراراً تحديد موعد مع وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد لعرض واقع آلاف العائلات النازحة واحتياجاتها. إلا أن هذه الطلبات، بحسب قوله، لم تلقَ استجابة. ويضيف أن الوزارة تلقت دعماً مالياً كبيراً من الاتحاد الأوروبي والدول المانحة، «لكننا لم نحصل على شيء من هذه المساعدات».
بدوره، يعبّر رئيس بلدية ميس الجبل، حبيب قبلان، عن استيائه من أداء الوزارة. ويقول: «وزيرة الشؤون لا ترد علينا، ومش قارئة حدا».

 

بواسطة
رضا صوايا
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى