«المناطق التجريبية» تبدأ من فرون وصريفا وزوطر الغربية: هل نحن أمام «قطاع عملياتي جديد»؟ (الأخبار 21 تموز)

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية بدء تشغيل «المناطق التجريبية» في فرون وصريفا وزوطر الغربية، باعتبارها المرحلة الأولى من الاتفاق الإطاري الذي جرى التوصل إليه بين سلطة الوصاية اللبنانية والعدو الإسرائيلي برعاية واشنطن. وفيما لم يحدد البيان الأميركي إطاراً زمنياً لهذه المرحلة، ولم يأتِ على ذكر انسحاب إسرائيلي من القرى المشمولة، تحدّثت مصادر عديدة عن أن الإنسحاب قد يبدأ اليوم. في حين ركّز البيان الأميركي على بدء تطبيق الآلية التنفيذية بإشراف مجموعة التنسيق العسكرية الخاصة بلبنان.
وبما أن الإعلان الأميركي لا يتحدث عن تسوية دخلت حيّز التنفيذ بقدر ما يعلن بدء اختبار نموذج أمني جديد، يصبح السؤال الأهم ليس ما الذي قاله البيان، بل لماذا اختيرت فرون وصريفا وزوطر الغربية لتكون أولى «المناطق التجريبية».
اللافت أولاً أن فرون وصريفا تقعان خارج «الخط الأصفر»، أي خارج الحد الأقصى لمنطقة الاحتلال الإسرائيلي الحالية (أي أنهما خاليتان من أي وجود عسكري معادٍ)، فيما تقع زوطر الغربية على تماس مع أحد أكثر المحاور حساسية في القطاع الشرقي ولا وجود للعدو في أي نقطة تابعة عقارياً لها إنْ داخل القرية أو عند أطرافها. ولو كان الهدف إنشاء شريط أمني ملاصق للحدود، لكان من المنطقي اختيار قرى تقع جميعها ضمن نطاق الاحتلال الحالي أو على تخومه. لكن اختيار بلدتين تقعان إلى الداخل يشير إلى أن التجربة تتجاوز مفهوم الشريط الحدودي التقليدي.
وتزداد هذه الملاحظة أهمية إذا أُخذ في الاعتبار أن الجيش اللبناني لم يكن ينتظر الإعلان الأميركي للدخول إلى هذه المناطق. وتقول مصادر ميدانية لـ«الأخبار» إن الجيش اللبناني وصل أمس إلى منطقة الصوان الواقعة بين زوطر الغربية وققعية الجسر، بعدما كانت وحداته قد انتشرت بالفعل في فرون وصريفا، وبدأت الانتشار في محيط زوطر الغربية بالتوازي مع ترتيبات وقف إطلاق النار، وانتظاراً لضوء إسرائيلي. وبالتالي، فإن ما بدأ ليس انتشار الجيش بحد ذاته، بل تشغيل آلية جديدة تربط هذا الانتشار بإجراءات التحقق والمراقبة، وبمراحل الانسحاب الإسرائيلي عندما تبدأ.
من هنا، يصبح اختيار القرى الثلاث أكثر دلالة من الإعلان نفسه. فزوطر الغربية لم تُذكر منفردة منذ البداية. إذ كانت التسريبات التي سبقت مفاوضات روما تشير إلى «زوطر» بصورة عامة، قبل أن يستقر البيان الأميركي على تسمية زوطر الغربية وحدها من دون الشرقية، علماً أن زوطر الشرقية كان العدو قد دخل أحياءها الجنوبية والشرقية خلال الحرب، وعندما انكشفت قواته أعاد تموضعها داخل القرية وبين منازلها. قد يبدو هذا التعديل تفصيلاً، لكنه يعكس تحديداً دقيقاً للقطاع الذي ستجري فيه التجربة، ولا سيما أن زوطر الغربية تشكل المدخل الطبيعي إلى محور علي الطاهر وقلعة الشقيف، وهما من أكثر المواقع التي احتلت موقعاً مركزياً في الحسابات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب وما بعدها.
أما فرون وصريفا، فلا تبدوان، وفق المعطيات، بلدتين تتمتعان بخصوصية استخباراتية تميزهما عن عشرات القرى الجنوبية الأخرى التي تحدث العدو الإسرائيلي عن وجود بنى عسكرية للمقاومة فيها. لذلك، يبدو التفسير الجغرافي أكثر ترجيحاً من تفسير يقوم على وجود أهداف استثنائية داخل هاتين البلدتين.
تقع فرون وصريفا خارج «الخط الأصفر» فيما تقع زوطر الغربية على تماس مع أحد أكثر المحاور حساسية في القطاع الشرقي
وعند النظر إلى القرى الثلاث على الخريطة، تظهر صورة مختلفة تماماً. فهي لا تبدو نقاطاً منفصلة، بل تشكل شريطاً عملياتياً يمتد من فرون جنوباً مروراً بصريفا وصولاً إلى زوطر الغربية شرقاً، على محور يربط بنت جبيل بالنبطية ويتقاطع مع الطرق المؤدية إلى وادي الحجير ومرتفعات علي الطاهر. ومن هذه الزاوية، لا تعود «المناطق التجريبية» ثلاث بلدات مستقلة، بل تصبح قطاعاً عملياتياً واحداً يحمل أسماء بلدات، من دون أن يطابق حدودها الإدارية.
وهذا يفسر أيضاً إدراج فرون وصريفا رغم وقوعهما خارج الخط الأصفر. فالغاية ليست رسم شريط أمني جديد بمحاذاة الحدود، وإنما اختبار نموذج أمني يمتد إلى الداخل، يقوم على تثبيت انتشار الجيش اللبناني، وإبعاد أي وجود مسلح غير تابع للدولة، وربط ذلك بانسحابات إسرائيلية متدرجة وآليات تحقق ومراقبة، قبل تعميم النموذج على قطاعات أخرى إذا نجحت المرحلة الأولى.
وفيما لم تُنشر حتى الآن خرائط رسمية تحدد حدود «المناطق التجريبية»، كما لم تقدم واشنطن أو إسرائيل تفسيراً لاختيار هذه القرى دون غيرها. لكن جميع المؤشرات المتوافرة تقود إلى فرضية متماسكة تقول إن ما جرى اختباره ليس ثلاث قرى منفصلة، بل قطاع أمني جديد قد يشكل النموذج الذي سيُبنى عليه تنفيذ الاتفاق في بقية جنوب لبنان.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم المقاربة الإسرائيلية للخطة. ففي الخطاب الإسرائيلي، لا تُعرض «المناطق التجريبية» باعتبارها بداية تسوية سياسية، بل باعتبارها اختباراً عملياً لقدرة الجيش اللبناني على الإمساك بالأرض ومنع عودة أي نشاط عسكري للمقاومة. لذلك، يُنظر إلى أي انسحاب إسرائيلي باعتباره خطوة مشروطة وقابلة للتراجع، فيما تُمنح واشنطن دور المراقب والضامن. وإذا صح أن التجربة تستهدف قطاعاً عملياتياً لا ثلاث قرى منفصلة، فإنها قد تكون النموذج الذي ستُقاس على أساسه المراحل اللاحقة من تنفيذ الاتفاق، سواء من حيث توسيع نطاقه أو من حيث الإبقاء على القيود الأمنية التي يسعى العدو الإسرائيلي إلى تكريسها.




