نزار هاني: الاتفاقيات التجارية ظالمة للبنان (الأخبار 20 تموز)

نحمي الإنتاج المحلي بـ«الرزنامة الزراعية»
رغم أن الأولويات الحكومية لا تضع الإنتاج الزراعي ضمن لائحة الأولويات، إلا أن وزير الزراعة نزار هاني يحاول أن يركز على مسألتين جوهريتين بالنسبة إلى المجتمع اللبناني. أولاهما، أن لبنان يجب أن يعمل على حماية إنتاجه المحلي وإيجاد التوازن في الأمن الغذائي بين ما يجب أن نصدّره وما يجب أن نبقيه للاستهلاك المحلي وكيف نعزّز الإنتاج في قطاعات فيها الكثير من القيم المضافة. وهذا يتطلب ليس فقط حماية المزارع، بل إعادة تنظيم للقطاع بكامله والتعامل مع الشركاء الخارجيين وفق مصالح لبنان. تفرض هذه المصالح إعادة النظر بالرزنامة الزراعية، وبضرورة درس العلاقة الزراعية والتجارية بين لبنان وسوريا والعراق والأردن
■ بعد الإفلاس في 2019، ساد اعتقاد بأن تعزيز القطاع الإنتاجي سيكون أساس السياسات الاقتصادية، لكن لم نرَ ذلك لا سيما في القطاع الزراعي، فهل هناك رؤية أم مسار ردود فعل عشوائية؟
– بعد كل ما مررنا به من أزمات، أصبح لدينا وعي بأن القطاعات الإنتاجية ضرورية، لكن إمكانات الدولة محدودة. موازنة وزارة الزراعة تشكّل نحو 0.43% من الموازنة العامة مقابل تمويل متوافر من الهبات والمنح قيمته 400 مليون دولار. حالياً نقدم دعماً مباشراً للمزارعين، لا سيما في المناطق التي تعرضت للاعتداءات، وهناك دعم لمشاريع ضمن المدى الطويل. وكل هذه المشاريع تندرج ضمن الاستراتيجية الزراعية الجديدة للأعوام 2026-2035، والتي أرست سياسة زراعية واضحة وأسساً للعمل خلال السنوات العشر المقبلة.
أصرّ على تعليق المشاركة في اتفاقية التيسير العربية لمدة سنتين كما فعلت سوريا
صحيح أن التمويل محدود، لكن القطاع الخاص يلعب الدور الأساسي فيه القطاع الزراعي، وهناك مستثمرون كثر مستعدون لتمويل مشاريع زراعية. يجب ألا نغفل أن ما بين 25% و30% من اللبنانيين مرتبطون بالزراعة بطريقة أو بأخرى، ولبنان يبقى بلداً زراعياً مهماً. لدينا مناخ متوسطي جيد، وتنوّع زراعي لا يتوافر في أماكن كثيرة. على الساحل يمكن زراعة الفواكه الاستوائية والحمضيات والموز، وعندما نصعد قليلاً نجد أنواعاً مختلفة من الفواكه.
■ تاريخياً كلفة الإنتاج هي المشكلة الأساسية للمزارع اللبناني فيما كانت السياسات الرسمية تفرغ الريف وتفرض تصحّر الأراضي. هل تعملون على حماية الإنتاج المحلي؟
– أكثر ما يطلبه المزارعون هو الحماية حتى لا تغرق السوق بمنتجات مستوردة. السياسات السابقة كانت قائمة على التالي: لا داعي لنوجع رأسنا بالإنتاج المحلي بما يحتاجه من تخطيط للموارد، بل يمكن التركيز على قطاعات أخرى في سياق الاعتماد على المنتجات الزراعية من الدول القريبة. ومع الوقت تبيّن أنه لا يمكننا الاستمرار هكذا، بل أصبح لبنان مصنفاً ضعيفاً وهشاً في أمنه الغذائي، وأي أزمة تؤدّي سريعاً إلى أزمة غذائية. لا نقول إن علينا بلوغ الاكتفاء الذاتي بكل شيء، لكن لدينا محاصيل كثيرة تتمتع بقيمة مضافة يجب التركيز عليها وإنتاجها، بالتوازي مع تنظيم الاستيراد وإجراء تفاهمات.
■ ليس هناك شعور لدى المعنيين بالقطاع الزراعي أنهم يمثّلون أولوية لدى الحكومة؟
– هناك أولويات كبيرة في البلد والحكومة منشغلة بملف المصارف وإعادة الهيكلة، إضافة إلى عدد كبير من الأولويات الأخرى. بالنسبة إلى الزراعة والصناعة، لا يوجد دعم مالي كبير، لكن في الوقت نفسه لا توجد عرقلة للعمل. أما اتخاذ قرار استراتيجي واضح بأن يتجه البلد نحو القطاعات الإنتاجية، فهذا يحتاج إلى مزيد من الوقت.
■ ما هي مسارات تطوير المحاصيل الزراعية وزيادة إنتاجيتها؟
أنشأنا لجاناً قطاعية تركّز كل واحدة على محصول معين، وأصبح لدينا 23 لجنة قطاعية وظيفة كل منها دراسة سبل تطوير المحصول وتصنيعه وتسويقه، وتحديد أفضل المناطق لزراعته وسائر التفاصيل المرتبطة. سأعطي مثالاً ناجحاً: الجزر.
نتجه في السنة المقبلة إلى تحقيق شبه اكتفاء ذاتي في محصوله. وهناك مثال آخر حققنا فيه تقدماً ملموساً: الثوم. تاريخياً، ينتج لبنان ما بين 800 طن و1200 طن من الثوم ويستورد 7000 طن. وكانت حماية الإنتاج المحلي جزءاً من المشكلة، لأن المزارع يبدأ بالإنتاج، ثم تدخل كميات كبيرة من الثوم الصيني إلى السوق، ويكون شكله أفضل وأرخص. لكن توصلنا إلى تفاهم مع المزارعين، وساعدَنا الطقس الجيد أيضاً، فارتفع إنتاج الثوم إلى 3500 طن.
ما بين 25% و30% من اللبنانيين مرتبطون بالزراعة بطريقة
أو بأخرى
وصل إنتاج الدونم الواحد منها في سهل عكار إلى 2.5 طن. نحن نبحث في تطوير محاصيل ذات قيمة مضافة. أيضاً هناك البطاطا التي استوردنا منها 48 ألف طن في 2025، لكن قررنا هذه السنة أن نحدد الاستيراد بـ25 ألف طن لحماية الإنتاج المحلي، والموسم يسير بشكل جيد حتى الآن. ولدينا مشكلة في إنتاج الخضار خلال أشهر تشرين الثاني وكانون الأول وكانون الثاني وشباط، لذلك نشجع المهتمين بالاستثمار في القطاع الزراعي، على اعتماد الزراعة الحديثة لتغطية هذه الفترة.
بهذه الطريقة، نخدم السوق ونؤمّن محصولاً زراعياً جيداً، ونخفف الاستيراد، خصوصاً أن الفحوصات التي أُجريت في السنة الماضية أظهرت مشكلات في 15% من الشحنات الآتية من سوريا وكانت مرفوضة. وعندما ننظّم الأسواق وننتج خلال الأشهر الأربعة أو الخمسة التي نعاني فيها من فراغ، يصبح لدينا إنتاج أكبر وتنمية زراعية أوسع، ونؤمّن للمستهلك منتجاً بنوعية عالية وسعر مناسب.
■ هل هناك مصلحة للبنان في إعادة النظر بالاتفاقيات الاقتصادية الثنائية أو الجماعية؟
– اليوم قبل الغد. هذه الاتفاقيات ظالمة للبنان، ويجب أن تكون لدينا الجرأة، كما فعلت سوريا، لوقف المشاركة في اتفاقية التيسير العربية لمدّة سنتين. بالفعل طلبت ذلك في الشهر الأول من عمر الحكومة، ثم طُلب منا إعداد دراسة أكثر تفصيلاً، وقد أعددناها. الملف اليوم قيد الدراسة، وما زلت أصرّ في كل اجتماع ولقاء ومناسبة على ضرورة وقف مشاركتنا في الاتفاقية. في رأيي، الاستيراد بالشكل الذي كان قائماً لا يمكن أن يستمر.
أما المشكلة الأساسية في اتفاقية الاتحاد الأوروبي، فهي أننا لا نستفيد منها بما يكفي. على سبيل المثال، لدينا حصّة تتيح لنا تصدير 50 ألف طن من البطاطا إلى أوروبا، لكننا لا نستفيد منها، لأن أوروبا تريد أنواعاً ومواصفات مختلفة عن البطاطا التي نزرعها. ويشترط الاتحاد الأوروبي أن يكون الإنتاج الزراعي قابلاً للتتبع الكامل. وقد قطعنا شوطاً في هذه العملية. كلما أصبح المنتج خاضعاً لنظام تتبع كامل، أصبحت لديه إمكانية أكبر للدخول إلى السوق الأوروبية.
■ لماذا وتيرة التعامل مع هذه الاتفاقيات بطيئة؟
– يجب أن «نشد حالنا أكتر». سأبقى مصرّاً على هذا الموضوع. العلاقة بين لبنان والدول العربية هي أكثر من مجرد اتفاقية تجارية، فهي علاقة طويلة، ولا نريد أن يؤدي أي خلل تجاري إلى خلل في علاقتنا بالدول العربية. لكن في الوقت نفسه، لا يعني ذلك ألا نقوم بشيء. نقوم بالأمور خطوة بخطوة. في السنة الماضية، أعدنا النظر بالرزنامة الزراعية بصورة شهرية واختبرناها، وحالياً رزنامتنا تستند إلى هذه التجربة. التعديلات مرتبطة بالمواسم والتغير المناخي ودينامية الإنتاج. اتفاقية التيسير العربية تتضمن آليات تتيح لكل دولة إجراء تعديلات تناسبها، ونحن نعتمد هذه الآليات إلى حين اتخاذ قرار نهائي بشأن الاتفاقية.
■ ما الأدوات التي تملكونها لحماية الإنتاج المحلي في ظل الاتفاقيات القائمة؟
– الأداة الأسهل التي يمكن استخدامها من دون العودة إلى الأطراف الأخرى، هي الرزنامة الزراعية. يمكننا تنظيم الرزنامة الزراعية بما يحمي الإنتاج المحلي. لكن لا يسير الجو العام كله في هذا الاتجاه، لأن لبنان قائم على التجارة، والتجّار لديهم قدرات كبيرة، ويتلقّون دعماً من أصحاب القرار انطلاقاً من فكرة أن لبنان بلد مفتوح، وأن السوق ينظّم نفسه، وأن من يريد الإنتاج يجب أن يمتلك القدرة على الصمود والمنافسة.
نحن قادرون على الصمود والمنافسة، لكن يجب أن تكون الظروف في بلدنا أفضل. ففي ظل الصعوبات الحالية وارتفاع كلفة الأرض والطاقة والإنتاج بصورة عامة، لا يمكن للمزارع أو المنتج أن يصمد إذا اعتمدنا مبدأ التجارة المفتوحة بالكامل.
■ هناك الكثير من الدول التي تطبق سياسات حماية للإنتاج المحلي، فلماذا يتمسّك لبنان بقواعد السوق المفتوحة التي لم تعد قائمة أصلاً؟
– الهدف الوحيد الذي يُطرح هو الأسعار. موقف وزارة الاقتصاد يقوم على أن تحديد الكميات أو تخفيف الاستيراد في أوقات معينة قد يؤدّي إلى رفع الكلفة على المستهلك، وهذه نقطة يجب أخذها في الحسبان. لكن ما نفعله في وزارة الزراعة هو محاولة تحقيق التوازن. الحجّة الأساسية لدى المطالبين بالتجارة المفتوحة هي ضرورة تأمين الغذاء للمستهلك بسعر معقول. ما أنفذه ضمن صلاحياتي، هو حماية الإنتاج المحلّي مهما كانت الضغوطات كبيرة. وزير الاقتصاد يعتبر أن أي إجراء نتّخذه لحماية الإنتاج سينعكس مباشرة على السعر، كما في ملف الحليب والألبان. لكن هذه الإجراءات ليست مرتبطة بالإنتاج فقط، بل بالصحة أيضاً. قد نوفر في سعر المنتج من جهة، لكننا ندفع لاحقاً فاتورة صحية أكبر.
■ المزارع هو الحلقة الأولى في سلسلة الإنتاج وأقل من يستفيد منها مقابل حلقات تجارية تحصد هوامش أرباح هائلة. كيف يمكن حماية المزارع؟
– أولاً يجب تقصير المسافة بين المزارع والسوق. وإحدى الوسائل التي أحرزنا فيها تقدماً جيداً هي الزراعة التعاقدية. كان لدينا لقاء مع «ماكدونالدز» ومع شركة تنتج اللحوم في لبنان، بهدف استكمال سلسلة الإنتاج الخاصة بـ«ماكدونالدز». نحو 92 أو 93% من المنتجات التي يستخدمها «ماكدونالدز» أصبحت منتجة في لبنان، من البطاطا والخبز والخضار إلى اللحوم وغيرها. وندرس تشريعاً خاصاً بالزراعة التعاقدية. فعلى سبيل المثال، أصبح لدى «سبينيس» نوع من الزراعة التعاقدية في عدد من المنتجات التي يشتريها، ومنها الورود والخضار واللحوم وغيرها. في الزراعة التعاقدية، يعرف المُزارع لمن ينتج وما الكمية المطلوبة، فلا يترك السوق تتحكم فيه.
يجب تنظيم الاستيراد وإجراء تفاهمات مع شركائنا الخارجيين
ثانياً، غالبية المزارعين يذهبون إلى أسواق الجملة حيث يتعرضون للظلم والاستغلال، لذا نحاول إنشاء مجمعات زراعية تعود لصغار المزارعين، ويمكنها أن تكون مملوكة من تعاونيات أو جمعيات لتلافي الاستغلال التجاري، علماً بأن أصعب مرحلة في القطاع الزراعي اليوم هي مرحلة ما بعد القطاف التي تحتاج إلى تطوير مثل التبريد. إذ لدينا إنتاج غير موجود بالمستوى نفسه في الدول المحيطة، مثل عنب المائدة الذي يصدره لبنان إلى 42 بلداً، لذا نبحث في توسيع منشآت توضيب العنب وتبريده.
فلسفة الاستراتيجية الزراعية الجديدة لا تفرض توجيه المنتجات الزراعية كلها نحو التصدير، لأن لبنان بلد صغير وموارده محدودة ونحتاج إلى التوازن بين السوق المحلية والتصدير.
وفي الوقت نفسه، لدينا سلاسل قيمة يمكن أن نستثمر فيها أكثر لأنها تحقق مردوداً أعلى للاقتصاد وللمزارعين، مثل العنب والتفاح والأفوكا والموز والكرز. لكن الهدف من المجمعات الزراعية معالجة الفرق في سعر الزراعة وسعر المستهلك وأن يكون المزارع شريكاً في السوق. ننظر إلى المجمعات الزراعية الناجحة في هولندا كمثال، وحيث هناك إدارة للكميات الوافدة إلى السوق حتى لا يحصل إغراق. نحتاج إلى إدارة صحيحة لمرحلة ما بعد القطاف، وإلى بنية تحتية وخبرة في إدارة هذه العملية.
نحو التكامل الإقليمي
مع سوريا، كل أبواب التعاون مفتوحة. عندما زرنا سوريا في السنة الماضية، شكّلنا تسع لجان مشتركة تغطي مختلف المواضيع. وسوريا بلد يملك امتداداً جغرافياً كبيراً مع لبنان، ولدينا معها مشكلات زراعية مشتركة على رأسها الأمراض التي تنتقل عبر الحدود، مثل الحمى القلاعية (تصيب المواشي)، إضافة إلى عمليات التهريب والفوضى على الحدود، وموضوع البذور وتأصيلها والإنتاج المشترك.
الرزنامة الزراعية هي الحلّ؛ في سوريا مثلاً، وضعوا رزنامة زراعية شهرية، ونحن قمنا بالشيء نفسه. نحدد في كل شهر المنتجات التي لسنا بحاجة إلى استيرادها، والمنتجات التي نحتاج إليها. لكن يجب ضبط التهريب، لأنه يؤذي القطاع الزراعي بصورة كبير. أما إذا قرأنا اتفاقية التيسير العربية بعمق، فنجد أن فكرتها الأساسية التكامل الزراعي العربي وليس مجرد تبادل تجاري بلا رسوم. لكن ما حصل هو أن العملية تحولت إلى تجارة فقط، واختفى التكامل الزراعي. هناك محاولة تستحق أن نعيد إحياءها، وهي التكامل بين لبنان وسوريا والأردن والعراق. هناك اتفاقية جيدة وقّعتها الدول الأربع، والسلطات السورية الحالية تبنّتها.



