هكذا صمدت بوجه هرمز! دبي خامس أكبر مركز للشحن البحري عالمياً

لم يكن حلول دبي في المرتبة الخامسة عالمياً بين أهم مراكز الشحن البحري في عام 2026 إنجازاً عادياً، خصوصاً أن التصنيف صدر بينما يواجه الخليج واحدة من أعقد أزمات الملاحة في تاريخه الحديث. فقد حصلت دبي على 77.13 نقطة في مؤشر “شينخوا – البلطيق” لتطوير مراكز الشحن الدولية، بعد سنغافورة وشنغهاي ولندن وهونغ كونغ، محافظة بذلك على وجودها ضمن المراكز الخمسة الأولى للعام التاسع على التوالي. وجاء هذا الترتيب في وقت أدى الإقفال الفعلي أو التقييد الشديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز إلى إرباك طرق التجارة والطاقة.
تكمن أهمية المرتبة الخامسة في أن المؤشر لا يرتب المدن وفق عدد الحاويات فقط، بل يقيّم 43 مركزاً بحرياً وفق منظومة واسعة تشمل أحجام البضائع، وأطوال الأرصفة، وعمق الموانئ، وعدد الرافعات، إلى جانب خدمات إدارة السفن والوساطة البحرية والتمويل والتأمين والقانون البحري. ويأخذ المؤشر أيضاً في الاعتبار كفاءة الجمارك، والخدمات الحكومية الرقمية، وبيئة الأعمال والأداء اللوجستي.
وهذا يفسر قدرة دبي على المحافظة على مركزها حتى عندما تعطلت إحدى حلقات الملاحة. فدبي ليست ميناءً كبيراً، إنما هي مركز لاتخاذ القرار التجاري: تسجيل شركات، وتمويل صفقات، وإعادة تصدير، وتخزين، وتأمين على الشحنات، وتسوية منازعات بحرية. ويلخص تساو تشانتشونغ، رئيس معهد أبحاث مؤشرات شينخوا، التحول الجاري بالقول إن المنافسة لم تعد محصورة بحجم الموانئ وشبكات الخطوط الملاحية، “إنما تشمل التحول الأخضر والابتكار الرقمي والحوكمة البحرية والقدرة على توزيع الموارد عالمياً”. وهذه تحديداً هي المساحات التي استثمرت فيها دبي مبكراً.
جبل علي: العمود الفقري
يبقى ميناء جبل علي العنصر الأهم في القوة البحرية لدبي: تعامل الميناء مع نحو 15.6 مليون حاوية نمطية في 2025، مقارنة بـ15.5 مليون حاوية في 2024، وهو أعلى مستوى يسجله منذ نحو عقد. كما بلغت البضائع العامة غير المعبأة في حاويات 5.67 ملايين طن، فيما تعاملت موانئ دبي مع نحو 1.5 مليون مركبة خلال العام، بزيادة 18%.
ويرتبط جبل علي بأكثر من 150 ميناءً عبر أكثر من 80 خدمة ملاحية أسبوعية. ولا تتوقف أهميته عند الرصيف البحري؛ إذ يتصل بشبكة طرق ومستودعات ومناطق صناعية، ويوفر خدمات التخليص والتتبع الرقمي والنقل البري والتخزين وإعادة التعبئة ضمن مساحة اقتصادية واحدة. هذا التكامل يخفض المدة بين وصول الشحنة ودخولها إلى السوق أو إعادة تصديرها إلى دولة ثالثة.
لكن موقع جبل علي داخل الخليج جعله شديد التأثر بأزمة هرمز. فقد أكد الرئيس التنفيذي لـ”دي بي ورلد” يوفراج نارايان في آذار/مارس أن الميناء بقي جاهزاً ويعمل من الناحية التشغيلية، إلا أن حركة السفن الوافدة انخفضت بصورة كبيرة. مع ذلك، أظهرت تحديثات ملاحية لاحقة أن عمليات المحطات في جبل علي استمرت بصورة طبيعية متى وصلت السفن إلى الميناء، بما يعني أن المشكلة الأساسية كانت الوصول عبر المضيق، لا قدرة الميناء الداخلية على المناولة.
كيف امتصت دبي الصدمة؟
اعتمدت الاستجابة الأولى على تحويل الشحنات إلى موانئ تقع خارج المضيق، ولا سيما خورفكان والفجيرة، ثم نقلها براً أو بالسكك الحديدية إلى دبي وجبل علي. وأكدت شركة “ميرسك” قبول حاويات متجهة إلى ساحة جبل علي عبر خورفكان بالشاحنات والقطارات، مع منح الأولوية للأدوية والأغذية والسلع سريعة التلف. كما حول مستوردون خليجيون شحناتهم إلى الفجيرة وخورفكان وميناء صحار العُماني قبل استكمال الرحلة براً. هذه العملية لم تكن بديلاً كاملاً من جبل علي. فطاقة خورفكان نحو 5 ملايين حاوية نمطية سنوياً، بينما تقل طاقة الفجيرة للحاويات عن مليون حاوية، مقارنة بـ15.6 مليوناً في جبل علي. لذلك واجهت الموانئ البديلة ازدحاماً شديداً، لكنها نجحت في إبقاء ممر أساسي للغذاء والدواء والمدخلات الصناعية مفتوحاً.
أما الاستجابة الثانية فتمثلت في استخدام شبكة “دي بي ورلد” العالمية لتحويل جزء من الحركة إلى موانئ البحر الأحمر بدلاً من التعامل مع جبل علي كمرفق منفصل. وقد تعاملت المجموعة مع 93.4 مليون حاوية نمطية عالمياً في 2025، بزيادة 5.8%، وحققت إيرادات قياسية بلغت 24.4 مليار دولار وأرباحاً تشغيلية قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء بقيمة 6.4 مليارات دولار. ويعبّر رئيس مجلس إدارة المجموعة عيسى كاظم عن هذه الاستراتيجية بالقول: “تنوع المحفظة والقدرة على التكيف مع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد كانا وراء مرونة النتائج. فامتلاك موانئ ومحطات وخدمات لوجستية في قارات مختلفة يتيح نقل نقاط التجميع والتوزيع بسرعة أكبر من قدرة ميناء محلي مستقل”.
تغيير الخريطة البحرية
تدرس “دي بي ورلد” إنشاء ميناء متعدد الأغراض ومحطة حاويات على الساحل الشرقي للإمارات في الفجيرة، بما يسمح للسفن بالوصول مباشرة من خليج عُمان، ثم نقل البضائع براً إلى دبي وأبوظبي وأسواق الخليج من دون عبور هرمز. الاتجاه الاستراتيجي واضح: تحويل منظومة دبي من مركز يعتمد على بوابة بحرية واحدة إلى شبكة ذات بوابتين، إحداهما داخل الخليج والأخرى خارجه.
في الوقت نفسه، أبقت “دي بي ورلد” على موازنة استثمارية تقارب 3 مليارات دولار في 2026، تشمل استثمارات في جبل علي وأحواض دبي الجافة وموانئ أخرى ضمن الشبكة. وهذا مهم لأن الاستجابة لأزمات المضائق لا تتحقق بالسفن وحدها، بل بالمستودعات والسكك والطرق ومنصات البيانات وأنظمة الجمارك وساحات الحاويات المبردة.



