أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

المبادرة الفرنسيّة – الألمانيّة… هل تولد خريطة الطريق الأوروبيّة للبنان في 17 تموز؟ (الديار 15 تموز)

لا تستمدّ المبادرات الديبلوماسية أهميتها من عناوينها فقط، بل من اللحظة السياسية التي تولد فيها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. ومن هذه الزاوية، يكتسب الإعلان عن مبادرة فرنسية–ألمانية خاصة بلبنان دلالات تتجاوز مضمونها، الذي سيُكشف يوم الجمعة في 17 تموز خلال اجتماع المجلس الوزاري الفرنسي–الألماني في دورته السادسة والعشرين. ويعكس هذا الأمر توجّهاً أوروبياً لتعزيز حضوره في الملف اللبناني، لا أن يكون بديلاً عن الدور الأميركي، الذي لا يزال يُمسك بملف التفاوض والضمانات، وإنما شريكاً في رسم المرحلة التي ستلي أي تفاهمات أمنية.

وتحمل هذه الدورة دلالة إضافية بالنسبة إلى الملف اللبناني، إذ أعلن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، أنّ الكشف عن بنود المبادرة الخاصة بلبنان سيتمّ خلالها، في اجتماع يُعقد برئاسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، وبمشاركة معظم الوزراء في البلدين، بعد أعمال مجلس الدفاع والأمن الفرنسي–الألماني. وحتى الآن، لم تُنشر أي تفاصيل رسمية عن هذه المبادرة، لكن مصادر سياسية ديبلوماسية مطلعة ترى أنّ هناك تحوّلاً أوسع في طريقة مقاربة الملف اللبناني، مع سعي أوروبي لتعزيز حضوره في المرحلة المقبلة.

فالانتقال إلى روما لا يُمثّل انتقالاً للوساطة من واشنطن، بل يعكس اتساع دائرة العواصم المنخرطة في إدارة الملف اللبناني. ومع استمرار الولايات المتحدة في قيادة المسار التفاوضي، تؤكّد المصادر أنّ الأوروبيين يسعون إلى تثبيت موقعهم في مرحلة ما بعد أي تفاهمات أمنية محتملة.

ومن هنا، تبرز أهمية المبادرة الفرنسية- الألمانية. فالصياغة التي استخدمها فاديفول، لم تتحدّث عن مساعدات ظرفية أو دعم مالي محدود، بل عن “سياسة مشتركة تجاه لبنان”، وهي عبارة تحمل دلالة تتجاوز التحرّكات التقليدية، وتشير إلى محاولة بلورة مقاربة أوروبية منسقة لملف لبناني، بات مرتبطاً مباشرة بأمن المتوسط والاستقرار الإقليمي.

وبحسب قراءة المصادر المطلعة، يُتوقع أن تتركّز المبادرة على خمسة محاور رئيسية:

-أولاً: تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى ترتيبات أمنية أكثر استدامة، عبر دعم انتشار الجيش اللبناني وتعزيز آليات تنفيذ القرار 1701، بما يضمن دور الدولة اللبنانية في إدارة الوضع جنوباً، ومنع العودة إلى دورة جديدة من التصعيد.

– ثانياً: تعزيز قدرات الجيش اللبناني والقوى الأمنية، عبر دعم أوروبي مالي وتقني ولوجستي، من خلال المؤتمر الدولي لدعم الجيش الذي تحضّره فرنسا، سيما وأنّ أي استقرار طويل الأمد لا يمكن أن يتحقّق من خلال مؤسسات دولة قادرة على فرض سلطتها.

– ثالثاً: ربط أي دعم اقتصادي أو برنامج لإعادة الإعمار بمسار إصلاحي واضح، يشمل القضاء والقطاع المالي والإدارة العامة ومكافحة الفساد.

– رابعاً: معالجة مستقبل القوة الدولية العاملة في الجنوب “اليونيفيل”. فمع استمرار التوتّرات الميدانية رغم اتفاق وقف إطلاق النار، تصاعدت الدعوات إلى إعادة النظر في آليات عمل القوة الدولية وفاعلية مهمتها، التي تنتهي نهاية العام الحالي. إلى جانب البحث في قوّة دولية بديلة، سيما وأنّ أي تصوّر للاستقرار الطويل الأمد في الجنوب، سيحتاج إلى حسم مسألة المراقبة والتنفيذ. وتكتسب هذه المسألة بُعداً إضافياً بالنسبة إلى باريس وبرلين، نظراً إلى ارتباطهما بملف “اليونيفيل”، ففرنسا من أبرز المساهمين فيها، فيما تشارك ألمانيا عبر مهمتها البحرية ضمنها.

– خامساً: إعادة تثبيت الدور الأوروبي في إدارة الملف اللبناني. فإشراك ألمانيا إلى جانب فرنسا يمنح المبادرة بُعداً يتجاوز التحرّك الفرنسي التقليدي، إذ يضيف إليها الثقل السياسي والاقتصادي لأكبر قوة داخل الاتحاد الأوروبي، ويحوّلها إلى محاولة لصوغ موقف أوروبي أوسع تجاه لبنان.

وتعتقد المصادر نفسها أنّ الهدف الأساسي لباريس وبرلين ليس منافسة واشنطن، بل بناء مظلّة سياسية واقتصادية، تواكب أي تفاهمات أمنية سيتمّ التوصّل إليها قريباً.

والسؤال المطروح هنا: هل تنتقل أوروبا من دور الداعم التقليدي للبنان، إلى دور الشريك في صياغة المرحلة المقبلة؟ فإذا جاءت المبادرة بحزمة متكاملة تجمع الأمن بالإصلاح والاقتصاد، فقد تُشكّل إحدى أكثر المحاولات الأوروبية شمولاً، لإعادة بناء مقاربة تجاه لبنان منذ سنوات. أما تفاصيلها النهائية فستبقى مرتبطة بما سيعلنه المجلس الوزاري الفرنسي–الألماني، وإذا كانت باريس وبرلين ستنجحان في تحويل الحضور الأوروبي، من متابعة للأزمة إلى مشاركة فعلية في رسم مسار الحلّ.

 

بواسطة
دوللي بشعلاني
المصدر
الديار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى