حمد بن خليفة… الأمير الذي صنعت إنجازاته هالته وربّعته على عرش القلوب (نداء الوطن 13 تموز)

متبصّر في رؤيته، متنوّر في فكره، مُلهِم في حضوره، مبادر في قراراته، مجدّد في نظرته، محب لشعبه، منفتح على العالم، ومغامر بالمعنى النبيل للكلمة.
هكذا كان أمير قطر الراحل، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، شخصيّة متعدّدة الأبعاد، تختزن الصفات الجميلة ولا تُختزل فيها.
رجل دولة رأى أوسع من حدود المكان، وأبعد من حدود الإمكانات. آمن بأن الدول لا تُبنى بما تملكه فقط، بل بما تجرؤ على صناعته، ولذلك غامر بالحلم حين كان الحلم أكبر من الجغرافيا والديموغرافيا، فكان أن حوّل الطموح إلى واقع، والمستحيل إلى ممكن، فاتحًا الباب أمام ولادة “قطر الجديدة”، فاستحق أن يكون الأمير الذي يتربّع على عرش القلوب، بما صنع من إرث خالد ومسيرة ألهمت الأجيال.
يروي كثيرون ممّن حملوا في ذاكرتهم تفاصيل “قطر القديمة” أن البلاد، قبل تسلّم الأمير الراحل حمد بن خليفة آل ثاني مقاليد الحكم عام 1995، كانت إمارة هادئة ومنسيّة على هامش التحوّلات الخليجية الكبرى. لم تكن هناك نهضة تُرى، ولا استثمارات تُذكر، ولا مشاريع تُرسم، ولا إنجازات تضعها على خارطة الطموح، ولا حتى أموال. كانت قطر آنذاك تعيش يومها بيومه، في إيقاع محدود، إلى أن فتح الأمير الوالد نوافذ المستقبل، وأطلق طاقات المكان والإنسان، لتبدأ رحلة تحوّل استثنائية أعادت رسم ملامح قطر، ونقلتها من بساطة الأمس إلى دولة قوية حاضرة بقوة في ميادين السياسة والدبلوماسية والمحافظ الاستثمارية والتنمية والثقافة والإعلام.
باختصار، لم يبنِ الأمير الراحل دولة داخل حدودها الجغرافية المرسومة، بل صنع لتلك الإمارة الصغيرة حدودًا عالمية تتجاوز، في حضورها، تلك الخطوط.
عندما قصدتُ قطر عام 2005 للإقامة والعمل فيها، هربًا من مسلسل العبوات المتفجّرة الذي كان يُثقل أيام بيروت، كانت الدوحة مدينة صغيرة بحجم الأشرفية، ولكن نظيفة ومنظّمة ويحكمها القانون، وكانت قطر تُختصر بحقل غاز الشمال.
نجح الأمير المغامر، خلال عقد واحد من حكمه، في تحويل ثروة الغاز إلى وقود لواحد من أكبر مشاريع النهضة في المنطقة. ويروي القطريون، بكثير من الاعتزاز والفخر، أنّه في بدايات هذا المسار، لم يكن الطريق مفروشًا باليسر، بل واجه تحديات جسيمة اضطرته إلى الاستدانة من رجال أعمال قطريين لوضع صناعة الغاز على السكّة التي قادت لاحقًا إلى واحدة من أكبر وأنجح قصص التحوّل الاقتصادي في المنطقة. لم يسمح للعقبات أن تُطفئ وهج رؤيته، بل مضى إلى المستقبل بإيمان لا يتزعزع. وقد تحوّلت تلك الخطوة الجريئة، بعد سنوات قليلة، إلى شهادة خالدة على أن القادة العظام لا يصنعهم ما يملكون، بل ما يؤمنون به ويجرؤون على تحقيقه.
لم يكن الرهان يومها على مورد طبيعي فحسب، بل على رؤية بعيدة المدى. رؤية جعلت من الغاز طاقة لبناء الدولة، ومن الثروة أساسًا للاستثمار في الإنسان والعمران، وصناعة الحضور والتأثير والمستقبل. ولعل سرّ محبة القطريين للأمير الراحل أنّه لم يطلب السلطة بالفرض، بل كسبها بالفعل. لم يصنع حوله هالة من الخوف، بل ترك إنجازاته تصنع له الهالة، وهذا أعلى مراتب الشرعية.
عشتُ في الدوحة بين عامي 2005 و2010، وكنتُ شاهدة على ورشة نهوض استثنائية كانت تعيد تشكيل ملامح المدينة يومًا بعد يوم. تابعتُ عن قرب حركة البناء والتحوّل، وكنت في قلب المؤتمرات العالمية التي جعلت من الدوحة مساحة للحوار والوساطة والحضور الدولي. ولم يكن اللافت فيها حجم المشاريع فقط، بل أيضًا تلك الروح التي رافقتها: عمل بلا استعراض، وطقوس من الشفافية والتواضع.
كان كورنيش الدوحة آنذاك مساحة للتنزّه، بل ربما المساحة شبه الوحيدة التي يقصدها الناس للقاء البحر. وهناك، في ذلك المكان المفتوح للجميع، كان الأمير الراحل يُرى أحيانًا يمشي بين الناس بلا مواكب ولا مرافقين، قريبًا منهم ببساطته وحضوره الإنساني. كان يستوقف بعض من يلتقي بهم، يسألهم بعفوية عن أحوالهم، ويستمع إليهم باهتمام. صورة بقيت في ذاكرتي، تختصر علاقة مختلفة ونادرة بين الحاكم والمقيم، وتعبّر عن قرب وتواضع وامتلاء.
حين يتحدث القطريون عن الأمير حمد، فإنهم لا يبدؤون عادة بلقبه الأميري، بل ينادونه “الوالد”، وهو لقب لم يُمنح بقرار أميري، بل اكتسبه من أبوّته ورعايته وعدالته وحرصه على ناسه.
الأمير الذي اختصر صورة الراعي لشعبه والحامي له، جعل من نصرة الإنسان قيمة تتجاوز الأسماء والهويات والانتماءات. ولهذا لا يزال اللبنانيون يتناقلون، بكثير من التأثر والامتنان، قصة محام لبناني من آل مجدلاني قصد الدوحة في خمسينيات القرن الماضي، واختار أن يجعل منها وطنًا بديلا للعمل والعطاء. ومع مرور السنوات، وجد نفسه أمام ضغوط متزايدة جعلت استمراره في موقعه ليس بالأمر السهل، حتى بدا وكأن المساحة التي خدم فيها طويلا تضيق من حوله. عندها، تدخّل الأمير الوالد، ومنحه الجنسية القطرية، وقال له: “جنسيتك الجديدة حصانتك”.
كانت تلك اللفتة أكثر من اعتراف بالجميل. كانت انتصارًا لمعنى أعمق، وهو أنّ المقيم قد يصبح من أهل الدار بما يقدّمه لها.
غبتُ عن الدوحة خمسة عشر عامًا، وحين عدتُ إليها هذا العام، لم أشعر بأنني أزور المدينة نفسها التي غادرتها، بل كأنني أدخل عالمًا آخر. فقد تحوّلت الملامح التي عرفتها يومًا إلى مشهد أكثر اتساعًا ورقيًا وجمالا ودهشة.
بدت لي الدوحة كقصر كبير، شُيّد شغفًا فوق شغف، واعتناء فوق اعتناء. مدينة تعيش جمالها في كل زاوية: في شوارعها، في حدائقها، في متاحفها، في كورنيشها، في عمارتها، وفي كل تفاصيلها الصغيرة.
كانت أشبه بمدينة خرجت للتوّ من لوحة أتقن رسّامها كل ضربة فرشاة فيها. وجدتُ مدينة من أجمل مدن العالم. مدينة نظيفة، أنيقة، مضاءة، متلألئة، مرهفة، تنبض بالحياة، وتتحدث بلغة العالم من دون أن تفقد هويتها.
رحم الله الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي آمن بأن الأوطان تُصنع بالرؤية قبل الثروة، وبالشجاعة قبل الحسابات الضيقة. ترك خلفه دولة تُجسّد حلمه، وشعبًا يردّد اسمه بمحبة وامتنان، وإرثًا سيبقى شاهدًا على أن القادة العظام لا يُقاسون بعدد سنوات حكمهم، بل بحجم الأثر الذي يتركونه في أوطانهم.



