دمشق تترقّب زيارة ماكرون: محاولة لـ«موازنة» الضغط الأميركي (الأخبار 7 تموز)

على طول طريق مطار دمشق، ترتفع الأعلام السورية والفرنسية استعداداً لزيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي سيكون أول رئيس غربي يزور سوريا منذ سقوط النظام السابق وتسلّم «هيئة تحرير الشام» الحكم، وأول رئيس فرنسي يحطّ في دمشق منذ 17 عاماً. وتأتي الزيارة بعد نحو عام على استقبال ماكرون الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، في قصر الإليزيه، في أيار 2025، والذي مثّل أوّل خطوة أوروبية بهذا المستوى نحو السلطة الجديدة.
ويحمل جدول أعمال زيارة ماكرون، التي تأتي بالتوازي مع الإعلان أخيراً عن تشكيل «مجلس الشعب» السوري، ملفات عديدة ستُطرح على طاولة الحوار بين البلدَين، في وقت تسعى فيه باريس إلى ترسيخ نفوذ وازن في الملف السوري من بوابة حماية الأقليات خصوصاً. ورغم أن البيان السوري الرسمي لم يحمل أيّ تفاصيل معمّقة حول الملفات التي سيطرحها ماكرون، واكتفى بالإشارة إلى بحث العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك، وعقد جلسة حوار مستديرة تتناول تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وآفاق التعاون الثنائي في مختلف المجالات، تؤكد مصادر مطلعة، في حديثها إلى «الأخبار»، أن الملفّ اللبناني سيتصدر جدول المباحثات، في ظلّ الدفع الأميركي المستمرّ نحو دور سوري في هذا الملف، ونفي الشرع نيّته التدخل عسكرياً في لبنان، وحديثه عن «دور سوري إيجابي» في البلد الجار.
وفي وقت ذكرت فيه وكالة «فرانس برس» أن باريس لا تتبنّى المقاربة الأميركية نفسها القائمة على إشراك دمشق في ملف «التعامل مع حزب الله»، تشير المصادر إلى أن الشرع سيحاول، خلال استقباله ماكرون، «الحصول على دعم فرنسي لتأدية دور غير عسكري في لبنان»، بما يجنّبه الضغوط المستمرة التي يمارسها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ولا سيما أن التدخل العسكري يبدو أنه يحظى بـ«فيتو» تركي.
كذلك، يُعدّ ملف «الجهاديين» أحد أبرز الملفات التي سيناقشها ماكرون، نظراً إلى حساسيته المتصلة بوجود مقاتلين فرنسيين في سوريا، بعضهم جرى ضمّهم فعلياً إلى هيكلية وزارة الدفاع الناشئة. وينقسم هؤلاء إلى ثلاث فئات رئيسة: الأولى تضمّ من انخرطوا في الوزارة، والثانية من اختاروا الابتعاد عن العمل العسكري، وأما الثالثة، التي تعتبرها فرنسا الأخطر، فتشمل المقاتلين الذين لا يزالون يشكلون فصيلاً فرنسياً مستقلاً (فرقة الغرباء بقيادة عمر ديابي، المعروف باسم عمر أومسن)، ويحظون بعلاقات متينة مع المقاتلين الأوزبك الذين أعلنوا رفضهم عدداً من قرارات السلطات الانتقالية، وحافظوا على وجودهم كفصيل منفرد.
يَحضر على الطاولة ملف الأقليات وتمثيلها السياسي في الحكومة والسلطة التشريعية
وفي السياق نفسه، نقلت «فرانس برس» عن مصدر أمني فرنسي وصفه التعاون بين دمشق والعواصم الغربية في مجال مكافحة «الجهاديين» بأنه «جيد عموماً»، وهو ما يستند إليه «الجهاديون» الفرنسيون في مواقفهم الرافضة لسلوك السلطة، وارتيابهم في وجود «صفقة ما» لتسليمهم أو تفكيك فصائلهم بالقوة. ويأتي ذلك بالتزامن مع زيادة وتيرة نشاطهم الإعلامي خلال المدة الماضية، ولا سيما على تطبيق «تلغرام»، حيث ينشرون باستمرار بيانات تشكّك في السلطات الانتقالية، إلى جانب أخرى تنتقد السلطات الفرنسية.
وتجيء هذه التطورات بعد نحو تسعة أشهر على وقوع مواجهات بين السلطات الانتقالية وفصيل الفرنسيين (الغرباء)، الذين يقيمون في مخيم خاص قرب مدينة حارم في ريف إدلب، وذلك عقب حملة أمنية قالت وزارة الداخلية إنها أتت استجابة لشكاوى تتعلّق بانتهاكات وخطف طفلة. غير أن «أومسن» نفى وقتها تلك الاتهامات، واتّهم الاستخبارات الفرنسية بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية السورية للتحضير للعملية. وفي نتيجة المواجهات، دخّل المقاتلون الأوزبك، وفرضوا وساطة بين الطرفَين، أفضت إلى احتفاظ الفرنسيين بسيطرتهم الكاملة على المخيم، الذي لا تزال السلطات تتجنّب دخوله حتى الآن، رغم الانتقادات المستمرة التي يوجّهها إليها الجهاديون الفرنسيون.
كذلك، يَحضر على الطاولة ملف الأقليات وتمثيلها السياسي في الحكومة والسلطة التشريعية (مجلس الشعب)، الذي اكتمل تشكيله بعد أن سمّى الشرع 70 عضواً ضمن حصّته في المجلس. وكان مقرراً أن تُعقد أولى جلسات المجلس بالتزامن مع زيارة ماكرون، قبل أن يتمّ تأجيلها إلى موعد يحدَّد لاحقاً، وسط حديث عن خلافات داخلية تسبّبت في التأجيل.
وبشكل عام، تحمل زيارة ماكرون مجموعة من الرسائل السياسية والاقتصادية المتبادلة. إذ تؤكد الزيارة مساعي فرنسا المستمرة لترسيخ نفوذها في سوريا، بالتوازي مع تشجيع الاستثمارات الفرنسية، فيما تنظر السلطات الانتقالية إلى الخطوة بوصفها حدثاً تاريخياً، وتحاول استثمارها في «هندسة التوازن» الذي تسعى إليه هرباً من الضغوط الأميركية من جهة، وسعياً إلى توطيد العلاقات مع أوروبا من جهة أخرى.



