لبنان لتثبيت صـيغة الإطار ولجنة عليا للعلاقات مع سـوريا (الجمهورية 3 تموز)

تدخل المقاربة الدولية للملف اللبناني مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من إدارة الأزمات إلى محاولة معالجة جذورها السياسية. وفي قلب هذه المقاربة، يتقدّم اقتناع متزايد لدى دوائر القرار الغربية، بأنّ مستقبل «حزب الله» لن يُحسم عبر القوّة العسكرية، بل من خلال إعادة بناء الدولة اللبنانية، وإنهاء ذرائع الصراع الحدودي مع إسرائيل، واستعادة المؤسسات الرسمية دورها السياسي والاقتصادي. وفي ظل هذا التحوُّل، يتحرّك لبنان على أكثر من خط، من تثبيت صيغة الإطار إلى إعادة تنظيم علاقاته مع سوريا، وسط رهان على لحظة إقليمية مختلفة.
رأى سفير أميركي سابق في عاصمة إقليمية كبرى، وكان مبعوثاً رئاسياً خاصاً لملفات عدة في الشرق الأوسط، أنّ «المقاربة الواقعية للملف اللبناني تقتضي الإقرار بأنّ نزع سلاح «حزب الله» بالقوّة ليس خياراً قابلاً للتنفيذ، سواء من جانب الدولة اللبنانية أو إسرائيل». وشدّد على أنّ «الجيش اللبناني لا يستطيع الدخول في مواجهة عسكرية مع الحزب، لأنّ أي محاولة من هذا النوع ستؤدّي إلى انقسام المؤسسة العسكرية وتقويض دورها كإحدى آخر المؤسسات الوطنية الجامعة».
وانطلاقاً من هذا الواقع، دعا السفير السابق إلى اعتماد مسار مختلف، يقوم على «إضعاف «حزب الله» سياسياً،، بدلاً من استنزاف الجهود في مواجهة عسكرية غير قابلة للتحقق». وبرأيه، يستمد الحزب جانباً أساسياً من شرعيّته الداخلية من استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، وادعائه مواصلة «المقاومة»، ولذلك فإنّ الانسحاب الإسرائيلي واستكمال ترسيم الحدود الدولية، من شأنهما أن يسحبا تدريجياً أحد أبرز مبرّرات احتفاظه بالسلاح. وفي هذا السياق، كشف أنّ «الخط الأزرق» الذي رُسِّم عام 2000 ليس حدوداً دولية نهائية، بل خط تنفيذي لقرار مجلس الأمن 425، ما يجعل استكمال المفاوضات حول النقاط الحدودية العالقة أولوية عملية يمكن تحقيقها.
وفي تقييمه للمشهد اللبناني، اعتبر السفير أنّ نجاح الدولة في تعزيز مؤسساتها وإطلاق مسار التعافي الاقتصادي واستعادة ثقة المجتمعَين العربي والدولي، سيؤدّي تدريجياً إلى تراجع النفوذ السياسي لـ«حزب الله»، بينما سيؤدّي أي فشل للدولة إلى إعادة إنتاج أسباب قوّة الحزب. وأشاد في هذا الإطار بتوجُّهات رئيس الجمهورية جوزاف عون الرامية إلى تعزيز مؤسسات الدولة، خصوصاً من خلال توقيع «صيغة إطار» للانسحاب الإسرائيلي، تضمن سيادة لبنان على أرضه واعترافاً بسيادته على جميع أراضيه، معتبراً أنّ التحدّي الأساسي يكمن في الحفاظ على التوافق الداخلي بالتوازي مع استمرار الدعم الخارجي.
وفي المقابل، شدّد المبعوث الرئاسي الأميركي السابق، على أنّ أي تقدُّم نحو اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل يبقى مرتبطاً أولاً بتعزيز موقع الدولة اللبنانية وتقليص قدرة «حزب الله» على تعطيل القرارات الاستراتيجية، مؤكّداً أنّ هذا الهدف لا يتحقق عبر نزع السلاح بالقوّة، بل من خلال إضعاف شرعية الحزب السياسية، ودعم المجتمعات المتضرّرة، ولا سيما في الجنوب والبقاع، فلا يبقى الحزب الجهة الوحيدة القادرة على توفير الخدمات والمساعدات. كما اعتبر أنّ «حزب الله» حاضر عملياً في أي مفاوضات عبر إيران، ولذلك لا يرى أي مبرّر لمنحه تمثيلاً مستقلاً، لأنّ ذلك سيمنحه شرعية سياسية إضافية لا تخدم مستقبل الدولة اللبنانية.
لبنان: تثبيت خيار التفاوض سياسة
تكشف المواقف التي صدرت عن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال لقاءاته السياسية والديبلوماسية، أنّ رئاسة الجمهورية تمضي في تثبيت «صيغة الإطار» التي وُقّعت في واشنطن، باعتبارها مدخلاً لمسار تفاوضي طويل، لا اتفاقاً نهائياً، وأنّها تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة من زاوية قدرة الدولة على اتخاذ قرارها السياسي والديبلوماسي بعيداً من ضغوط الداخل والخارج. وفي هذا السياق، شدّد عون على أنّ لبنان «لن يفرِّط بأي شبر من أراضيه»، مؤكّداً أنّ الحُكم على هذا المسار يجب أن يكون من خلال نتائجه العملية، وفي مقدّمها الانسحاب الإسرائيلي، عودة الأسرى والجثامين، إعادة الإعمار، بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية.
وقدَّم الرئيس عون مقاربة سياسية، تقوم على أنّ التفاوض لا يشكّل تنازلاً عن الحقوق، بل يمثل «حرباً ديبلوماسية» أقل كلفة من الحروب العسكرية التي أنهكت لبنان، معتبراً أنّ مَن يتمسك بمبدأ السيادة مطالب أيضاً باحترام قرار الدولة باللجوء إلى المفاوضات لتحقيق مصالحها الوطنية. كما رأى أنّ «صيغة الإطار» ليست مثالية، لكنّها تمثل أفضل الممكن في الظروف الحالية، بعدما نجح الوفد اللبناني في تخفيض سقف المطالب الإسرائيلية، داعياً إلى الاستفادة من الزخم الأميركي والدعم الأوروبي والخليجي لإخراج لبنان من دوامة الحروب والوصايات التي استنزفته لعقود. صُحف
أمّا على المستوى الحكومي، فقد انعقدت جلسة مجلس الوزراء، وسط اعتراض مبدئي من وزراء «حزب الله» و»حركة أمل» على الإطار السياسي الموقّع في واشنطن، إلّا أنّ الحكومة تجاوزت هذا الاعتراض، بعدما شدّد رئيسها نواف سلام على أنّ ما وُقِّع عليه لا يزال مجرّد خارطة طريق سياسية لا ترتب أي التزامات قانونية، وأنّ أي اتفاق نهائي سيُحال لاحقاً إلى المؤسسات الدستورية وفق الأصول.
زيارة الشيباني
حملت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت مؤشرات سياسية واضحة على توجُّه دمشق إلى إعادة صياغة علاقتها مع لبنان وفق قواعد تختلف جذرياً عن المرحلة السابقة، إذ حرص الشيباني على إيصال رسالة موحّدة خلال لقاءاته مع الرؤساء الثلاثة والقيادات السياسية والدينية، مفادها أنّ سوريا الجديدة تريد علاقة قائمة على الشراكة والاحترام المتبادل وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، وأنّها تتعامل مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها باعتبارها المرجعية الوحيدة. تاريخ
وخلال لقائه الرئيس جوزاف عون، نقل الشيباني تحيات الرئيس السوري أحمد الشرع، مؤكّداً رغبة دمشق في طَي صفحة التدخّلات المتبادلة بين البلدَين، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني والسياسي، مع نفي أي نية للقيام بأي تدخّل عسكري أو سياسي داخل لبنان. في المقابل، رحّب عون بهذا التوجُّه، مشيداً بمواقف الشرع التي تؤكّد أنّ سوريا لن تعود إلى سياسات الوصاية، وأنّ العلاقة المستقبلية يجب أن تقوم حصراً بين دولتَين مستقلتَين.
وواصل الشيباني جولته بلقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري، وأكّد أنّ وجوده في لبنان يمثل «رسالة محبة وتعاون» مع جميع المكوّنات اللبنانية، معلناً انفتاح دمشق على التواصل مع مختلف القوى السياسية عندما تقتضي مصلحة البلدَين ذلك، من دون أن يتضمّن برنامج الزيارة أي لقاء مع «حزب الله». أمّا في السراي الحكومي، فقد تُوّجت المحادثات مع رئيس الحكومة نواف سلام بتوقيع اتفاق إنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة، التي ستشكّل إطاراً مؤسساتياً دائماً لتطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري والأمني، في خطوة تعكس انتقال العلاقات الثنائية من إدارة الملفات الظرفية إلى بناء آليات تعاون مستدامة



