الترميم يواجه تحدّي ضبط الأسعار ( الأخبار 30 حزيران 2026)

لم تنطلق ورشة إعادة الإعمار بعد، كما أنّ أعمال الترميم لا تزال محدودة جداً، إلا أنّ أسعار عدد من المواد والخدمات الأساسية المرتبطة بعمليات الصيانة والترميم بدأت تسجّل ارتفاعات ملحوظة، ما يثير مخاوف مبكرة من تحوّل إعادة الإعمار المرتقبة إلى ورشة مكلفة تثقل كاهل المتضرّرين في ظل غياب أي إجراءات رقابية واضحة.
رغم إعلان وقف إطلاق النار، لا يزال عدد كبير من المواطنين يؤجّلون إصلاح منازلهم ومؤسّساتهم المتضرّرة في انتظار اتّضاح المشهد الأمني والسياسي، خصوصاً أنّ تجربة الحرب السابقة دفعت كثيرين إلى تحمّل أكلاف الترميم قبل أن تتجدّد المواجهات وتتعرّض ممتلكاتهم لأضرار جديدة. لكن رغم بطء انطلاقة هذه الورشة، بدأت الأسعار تسجّل ارتفاعات ملحوظة، إذ يقول صاحب شركة «داغر كونستراكشن» محمد داغر، إنّ أسعار عدد من المواد ارتفعت بين 10% و15% بالتزامن مع التوترات التي رافقت الحرب بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة وإغلاق مضيق هرمز.
ويلفت إلى أنّ سعر متر الألمنيوم ارتفع من نحو 95 دولاراً إلى 110 دولارات، كما ارتفع سعر الـ«دوبل فيتراج» من 100 إلى 120 دولاراً، فيما ارتفع سعر متر الزجاج من 30 إلى نحو 45 دولاراً. ويُذكر أنّ هذه الأسعار تختلف بين تاجر وآخر، كما تتفاوت بحسب النوع والمواصفات المُعتمدة.
وبحسب داغر، فإنّ ما يجري اليوم في هذا القطاع يشبه إلى حدّ كبير ما يحصل في سوق الترابة حيث أدّى تحكّم عدد محدود من الشركات بالسوق إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، إلى أن وصل سعر طن الترابة إلى نحو 400 دولار.
ويحذّر من تكرار السيناريو نفسه مع مواد البناء والترميم الأخرى فور انطلاق ورشة إعادة الإعمار، ولا سيما في ظل غياب المنافسة الفعلية وسيطرة عدد محدود من الشركات على السوق. ويضيف أنّ التجار الصغار يجدون صعوبة في الاستيراد بشكل مستقل بسبب ارتفاع الأكلاف، ما يدفعهم إلى شراء حاجاتهم من السوق المحلية، الأمر الذي يعزّز هيمنة عدد محدود من المورّدين ويُبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة. كما يلفت إلى أنّ السوق اللبنانية اعتادت على نمط معروف، أي ترتفع الأسعار بسرعة في الأزمات، ولكنها نادراً ما تعود إلى مستوياتها السابقة حتى بعد زوال الأسباب التي أدّت إلى ارتفاعها.
في المقابل، يوضح المهندس نواف هرموش صاحب شركة BCC للتعهدات والديكورات أنّ ارتفاع الأكلاف لم يعد يقتصر على بعض المواد، بل بات يشمل مختلف عناصر البناء والترميم. ويشير إلى أنّ سعر طن الحديد ارتفع من نحو 690 دولاراً إلى نحو 970 دولاراً، فيما ارتفع سعر كيس الترابة من 4 إلى 5 دولارات ليصل اليوم إلى نحو 15 دولاراً في السوق السوداء، نتيجة شحّ المادة وازدياد الطلب عليها. كما ارتفعت أسعار الدهانات بنحو 3 دولارات، ولوح الخشب بنحو 3 دولارات أيضاً، في حين ارتفع سعر مئة حجر بناء من نحو 45 دولاراً قبل الحرب إلى ما بين 60 و70 دولاراً، تبعاً للمعمل. ويؤكد أنّ كلفة تنفيذ المشاريع ارتفعت بنحو 50%، ليس فقط بسبب أسعار المواد، بل أيضاً نتيجة زيادة كلفة النقل والمحروقات والتنقّل اليومي بين الورش.
رغم محدودية بدء أعمال الترميم إلا أن أسعار المواد والخدمات المرتبطة به بدأت تزداد
ولا يقتصر الأمر على المواد، إذ ارتفعت أيضاً كلفة التنفيذ، بعدما زادت أجور اليد العاملة من نحو 35 دولاراً يومياً إلى ما لا يقل عن 50 دولاراً، وهو ما ينعكس مباشرة على الكلفة النهائية لأي مشروع، سواء كان ترميماً بسيطاً أو إعادة بناء كاملة. ويؤكد أنّ المقاولين باتوا يواجهون صعوبة متزايدة في تسعير الأعمال بسبب التغيّر المستمر في أسعار المواد، الأمر الذي يحمّل أصحاب المنازل أعباء إضافية.
ويشير إلى أنّ حركة الترميم لا تزال خجولة حتى الآن، إذ تقتصر بمعظمها على إصلاحات محدودة ينفّذها أصحاب المنازل أو المؤسسات الذين يملكون القدرة المالية على ذلك، فيما يفضّل القسم الأكبر من المتضرّرين الانتظار، سواء بانتظار التعويضات أو إلى حين استقرار الوضع الأمني بصورة نهائية، خشية أن تتكرّر تجربة ترميم المنازل ثم تعرّضها لأضرار جديدة. ولذلك، فإنّ الطلب الفعلي على مواد البناء لا يزال محدوداً، رغم أنّ الأسعار بدأت ترتفع قبل انطلاق ورشة إعادة الإعمار الشاملة.
ومن زاوية مختلفة، تؤكّد المهندسة المعمارية ملاك موسى أنّ ما تشهده السوق حالياً هو ازدياد في الطلب على إعداد التصاميم أكثر منه على تنفيذ مشاريع البناء. وتوضح أنّ عدداً كبيراً من المتضرّرين بدأ يطلب خرائط وتصاميم لمنازله استعداداً لإعادة الإعمار، إلا أنّ التنفيذ الفعلي لا يزال محدوداً، ولا سيما في القرى الحدودية، فيما بدأت بعض المشاريع بالتحرّك في مناطق أبعد مثل النبطية والكفور والجيّة.
وترى موسى أنّ أسعار عدد من المواد الأساسية ارتفعت إلى نحو ثلاثة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، مشيرةً إلى أنّ الترابة تكاد تكون مفقودة من السوق، ما ساهم في رفع أسعارها بصورة كبيرة. وتلفت إلى أنّ تحديد نسبة دقيقة للارتفاع بات أمراً صعباً بسبب التغيّرات المتواصلة في الأسعار وارتباطها بتوافر المواد والاستقرار الأمني والاقتصادي، مؤكدةً أنّ المرحلة الحالية لا تزال مرحلة تحضير أكثر منها مرحلة إعادة إعمار فعلية، إذ إنّ كثيرين يعملون اليوم على إعداد التصاميم بانتظار توافر الظروف المناسبة للبدء بالتنفيذ.
بنتيجة ذلك، فإن الاتجاه العام خلال الفترة المقبلة نحو ورشة إعادة إعمار واسعة، يفرض تحرّك السلطات المختصّة فوراً وقبل ارتفاع الطلب للتدخّل في مراقبة الأسعار وضبطها ومنع التجّار من استغلال الأزمة لتحقيق أرباح إضافية. فمن المُفترض أن تخضع الأسواق المرتبطة بمواد البناء والترميم لرقابة متشدّدة من خلال وضع آليات واضحة لضبط الأسعار ومنع أي ممارسات احتكارية، لأنّ ترك السوق من دون ضوابط في هذه المرحلة سيؤدّي حكماً إلى ارتفاعات إضافية في الأسعار مع ازدياد الطلب. وبالتالي، فإنّ نجاح إعادة الإعمار لن يرتبط فقط بتأمين التمويل، بل أيضاً بقدرة الدولة على تنظيم السوق وحماية المواطنين من تحمّل أكلاف إضافية قد تجعل إعادة بناء منازلهم عبئاً جديداً بدل أن تكون خطوة أولى نحو التعافي.



