أخبار لبنانابرز الاخبار

مرسوم “النّفايات” يتسلّل الى جيوب اللبنانيين… ضريبة جديدة على السّلع والمحروقات والدّواء!

مرسوم جديد يتسلل إلى جيوب اللبنانيين ليقضم ما تبقى من رواتبهم، إن كان بقي فيها ما يقضم. فبعدما استنزفت فاتورة المولد، وأقساط المدارس، وكلفة الدواء، وسلة غذائية تتضخم أسبوعاً بعد آخر، جاءت الدولة بمرسوم، يرفع الرسوم على المواد المنتِجة للنفايات، ليضيف طبقة جديدة من الغلاء إلى سلع تمس الحياة اليومية للبنانيين، من البنزين والمازوت إلى الأدوية والزيوت والمواد الغذائية والملابس والمفروشات.

على الورق، يبدو الأمر جزءاً من سياسة بيئية تستند إلى قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، وتحديداً إلى مبدأ “الملوث يدفع”. لكن في السوق، حيث لا نظريات بل أسعار تدفع من جيب المستهلك، تبدو الصورة مختلفة رسوم جديدة على مئات السلع، والنتيجة شبه محسومة: زيادة في الأسعار لا تقتصر على نسبة الرسم نفسه، بل تمتد إلى ما هو أبعد مع مفاعيل تضخمية ستتسلل إلى كل بيت.

رسم يطاول “كل شيء تقريباً”

المرسوم الذي نشر في الجريدة الرسمية ، وبدأت مصلحة الجمارك تنفيذه اليوم، عدل الرسوم المفروضة على المواد والمنتجات المنتِجة للنفايات، ووسع لائحة السلع المشمولة بنسب تراوح بين 1% و2.5%، فيما برزت المحروقات ضمن البنود التي طاولها رسم نسبته 2%.

غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نسبة هنا أو هناك، بل في اتساع المروحة التي يشملها القرار. فالجدول المرفق لا يطال سلعاً كمالية أو منتجات محددة ذات أثر بيئي واضح، بل طيفاً واسعاً جداً من المواد: لحوم، أسماك، ألبان، بيض، عسل، خضار، حبوب، سكريات، زيوت، ورق، كرتون، أقمشة، مفروشات، مواد صناعية، وحتى سلع أساسية تدخل يومياً إلى كل منزل.

نقيب مستوردي المواد الغذائية هاني البحصلي يختصر المشهد بالقول إن من يفهم في البنود الجمركية يدرك أن المرسوم، “يطاول كل شيء تقريباً”، وهو في رأيه أخطر من مجرد زيادة 1% على ضريبة القيمة المضافة، لأن الـTVA، مهما ارتفعت، تبقى نظرياً ضريبة على الاستهلاك، فيما الرسم الجديد يضرب السلع نفسها من مدخل الاستيراد والإنتاج، ويطال كل شيء من الأدوية إلى المحروقات.

ويلفت البحصلي إلى أن “الزيوت النباتية خضعت لرسم نسبته 2.5%، وأن اللائحة تشمل أيضاً الأرز والأدوية وحفاضات الأطفال والثياب والمفروشات، وحتى الذهب”. متسائلاً عن المنطق البيئي الذي يضع سلعاً كهذه في خانة المنتجات الملوثة. وبالنسبة إليه، نحن أمام واحدة من أوسع الزيادات الضريبية الشاملة في تاريخ لبنان الحديث، لأنها لا تطاول قطاعاً بعينه، بل تمتد إلى معظم ما يستهلكه الناس يومياً.

المحروقات في الواجهة… زيادة جديدة فوق الـ300 ألف

الضربة الأكثر وضوحاً حتى الآن أصابت المحروقات. فوفق رئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط مارون شماس، فإن الرسم الجديد يبلغ 2% على ثمن البضاعة، تضاف إليها ضريبة القيمة المضافة البالغة 11%، ما يرفع الأثر الفعلي إلى نحو 2.21%. وترجمة ذلك على الأسعار تعني زيادة تقارب 28 ألف ليرة على صفيحة البنزين و30 ألف ليرة على المازوت.

علماً أن صفيحة البنزين كانت تتحمل أصلاً، وفق شماس، نحو 300 ألف ليرة كرسوم إضافية فرضت سابقاً لتأمين التمويل اللازم لزيادات الرواتب التي أقرت لموظفي القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين. ومع الرسم الجديد، تصبح الضرائب والرسوم تشكل نحو 26% من سعر المحروقات.

خطورة المحروقات لا تكمن فقط في أثرها المباشر على تعبئة السيارات، بل في انعكاسها التلقائي على كلفة النقل والتوزيع والتخزين والتبريد والإنتاج والتشغيل. وكل زيادة على البنزين والمازوت تتحول سريعاً إلى زيادة على أسعار سلع أخرى، من الخبز إلى الخضار والمواد الغذائية والأدوية، لأن الاقتصاد اللبناني بأكمله يتحرك على كلفة الطاقة.

ولكن المفاجأة كانت، أن الجمارك بدأت تطبيقه صباحاً من دون أن يكون لدى المعنيين علم مسبق به، ما وضع الشركات والقطاع أمام أمر واقع. ويشير نقيب أصحاب المحروقات جورج البراكس إلى أنه حتى وزير الطاقة لم يكن في الصورة ولم يبلغ رسمياً، فيما لم تكن شركات التوزيع قد استوضحت آلية التطبيق أو توقيته.

ويؤكد البراكس أن المسألة لا تتعلق بالمحروقات وحدها، بل بمعظم السلع تقريباً. فالرسم على البنزين والمازوت يبلغ 2%، لكنه يحتسب على قيمة البضاعة، ثم تضاف إليه ضريبة القيمة المضافة، ما يرفع الكلفة النهائية تلقائياً.

من الزيت إلى الدواء… المستهلك هو من سيدفع

إذا كان أثر الرسم على المحروقات واضحاً، فإن انعكاسه على السلع الغذائية والمواد الاستهلاكية لا يقل خطورة. البحصلي يقدم مثالاً مباشراً من السوق: شحنة زيت وصلت إليه ففرضت عليها زيادة بنسبة 2.5%، ما رتّب عليه 512 مليون ليرة إضافية في يوم واحد فقط. والسؤال الذي يطرحه ليس نظرياً: هل يمكن للمستورد أو التاجر أن “يبتلع” هذه الزيادة؟ الجواب محسوم: لا. هذه الكلفة ستنتقل في نهاية المطاف إلى الأسعار، أي إلى المستهلك.

وهنا لا تعود المسألة مجرد رسم يضاف على سلعة واحدة. فإذا كانت الزيوت النباتية خاضعة لزيادة 2.5%، والمحروقات لزيادة 2%، والسلع الأخرى موزعة بين 1% و3%، فإن سلة الاستهلاك اليومية كلها تصبح مرشحة لارتفاعات متفاوتة. من الأدوية إلى حفاضات الأطفال، ومن الأرز إلى الثياب والمفروشات.

نظرياً، قد يقال إن الأسعار سترتفع فقط بما يوازي نسبة الرسم المفروض. لكن الواقع اللبناني أكثر تعقيداً. فإلى جانب الرسم، هناك ضريبة قيمة مضافة وكلفة نقل وتخزين وهوامش حماية من تقلبات السوق، ما يخلق ما يسميه الاقتصاديون “الأثر التضخمي”. أي إن الزيادة لا تتوقف عند 2% أو 2.5%، بل قد تتحول في السوق إلى 3% أو 4% أو 5%، وربما أكثر في بعض السلع، نتيجة تراكم الأكلاف على طول السلسلة التجارية.

أين ستذهب إيرادات الضريبة الجديدة؟

المرسوم يستند قانونياً إلى قانون حماية البيئة وقانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، ولا سيما المادة 38 منه، التي تتيح فرض رسوم على المنتجات تبعاً لكمية أو نوعية النفايات الناتجة من تصنيعها أو عن استخدامها بعد الاستهلاك. نظرياً، يفترض أن يكرّس هذا التعديل مبدأ “الملوث يدفع”، وأن يوفر مورداً مالياً لإدارة النفايات وتشجيع منتجات أقل ضرراً بالبيئة.

لكن ما يفترض أن يكون أداة بيئية إصلاحية، يبدو في نظر كثيرين أقرب إلى مورد جديد للجباية في بلد لا تزال فيه أزمة النفايات نفسها من دون حل جذري. فالبحصلي يثير أكثر من علامة استفهام حول الوجهة التي ستذهب إليها هذه الأموال، مشيراً إلى ما يتداول عن تخصيص 50% من العائدات للهيئة الناظمة للنفايات، و25% لجهة تابعة لوزارة البيئة، و25% للخزينة. وإذا صح ذلك، فإن النقاش لا يعود اقتصادياً فقط، بل قانونياً أيضاً، في ظل التساؤل عن إمكان تجزئة الإيرادات العامة بهذا الشكل بدل أن تدخل كاملة إلى الخزينة.

موجة غلاء جديدة

لا يحتاج اللبناني إلى كثير من الشروحات القانونية أو البيئية ليفهم معنى هذا المرسوم. ما يهمه في النهاية هو النتيجة المباشرة: زيادة جديدة في الأسعار، في وقت لم يعد فيه راتبه يكفي أصلاً. قد يكون الرسم 2% على المحروقات و2.5% على الزيوت و1% أو 3% على سلع أخرى، لكن أثره لن يبقى محصوراً بهذه الأرقام. فحين ترتفع كلفة البنزين والمازوت، ترتفع معها كلفة النقل والتوزيع. وحين ترتفع كلفة الزيت والمواد الغذائية والأدوية، تتضخم معها سلة الاستهلاك كلها. وحين تفرض الرسوم على هذا العدد الهائل من السلع، تصبح الزيادة شاملة لا موضعية.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى