لماذا لن يُعيد فتح هرمز أسعار النفط إلى ما قبل الأزمة؟

انخفض خام برنت بأكثر من 5% ليصل إلى نحو 82-83 دولاراً للبرميل في جلسة اليوم الاثنين 15 حزيران/يونيو 2026، عقب الإعلان عن مذكرة تفاهم أميركية-إيرانية تمهّد لوقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز. غير أن الأسعار ما زالت أعلى بنحو 20% مما كانت عليه قبيل اندلاع الأزمة في 28 شباط/فبراير الماضي، حين كان خام برنت يُتداول عند حدود 70 دولاراً.
ومن المهم هنا عدم التسرع في قراءة الاتفاق بوصفه نهاية للأزمة. كما أنه لا يجب التسرع في توقع أن أسعار النفط ستهبط بشكل كبير كما تروج الإدارة الأميركية للأسباب الآتية:
فوضى لوجستية لا تُحلّ بجرّة قلم
ليس فتح مضيق هرمز مفتاحاً يُدار دفعةً واحدة فتعود السوق إلى سابق عهدها. فحتى لو جرى تطبيق مذكرة التفاهم المُوقَّعة في جنيف فوراً، فإن هيليما كروفت، رئيسة أبحاث السلع في بنك “آر بي سي كابيتال ماركتس” (RBC Capital Markets)، قدّرت أن استعادة تدفقات هرمز إلى 80% من مستويات ما قبل الحرب تستغرق أربعة أشهر كاملة. كذلك، فإن الوقت الفاصل بين شحن النفط الخام من الخليج وبلوغه المصافي حول العالم يتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر، ما يعني أن أي نفط “حُرر” اليوم لن يخفف الضغط على السوق قبل أواخر الخريف في أفضل الأحوال.
بنية تحتية جُرحت، لا تُضمّد بسرعة
الوضع على أرض آبار النفط لا يقل تعقيداً. فمنذ منتصف آذار/مارس 2026، تعرضت منشآت الطاقة في إيران وقطر والكويت والسعودية لضربات متبادلة وصفتها منظمة هيومن رايتس ووتش بالعشوائية، وأصيبت منشآت شركة “قطر للطاقة” بصواريخ أشعلت حرائق واسعة. كما تُحذّر مؤسسة “سنتر أون غلوبال إنيرجي بوليسي” في جامعة كولومبيا من أن إغلاق الآبار لفترة مطوّلة قد يُلحق أضراراً دائمة بالمكامن والمعدات. وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة أبعد من مجرد قرار سياسي؛ فالاتفاقات قد توقف النار، لكنها لا تُصلح المكامن والمضخات وخطوط الإمداد بين عشية وضحاها.
الصيف يرفع الطلب، والمخازن تطلب الإعادة
يأتي هذا الاتفاق في وقت تُقبل فيه شركات الطيران على موسمها الصيفي الأكثر ازدحاماً، وسط أزمة إمداد ما زالت تُلقي بظلالها على أسواق وقود الطائرات، بعد أن تضاعفت أسعار الوقود في بعض الأسواق مقارنةً بما قبل الأزمة. وإلى جانب الطلب الموسمي، يظهر ضغط إضافي ناجم عن الحاجة إلى إعادة ملء الاحتياطيات الاستراتيجية؛ إذ أطلق 32 اقتصاداً من أعضاء وكالة الطاقة الدولية ما يُقارب 412 مليون برميل من احتياطياتها الطارئة، فيما تراجع الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي إلى مستويات لم يشهدها منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. ومن ثم، فإن السوق لا تواجه مجرد نقص عابر في المعروض، بل طلباً مؤجلاً يستعد للعودة دفعةً واحدة.
الصين: عامل مُقيَّد لن يبقى هكذا
الصين هي المفاجأة التي أبقت الأسعار في حدود المعقول منذ اندلاع الأزمة. فقد خفّضت وارداتها النفطية من نحو 11 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى ما يُقدَّر بـ6.5 ملايين برميل يومياً في الأشهر الأخيرة. لكن هذا الانكماش مؤقت وقسري في جوهره؛ فمع استئناف التدفقات، ستعود الصين إلى إعادة ملء مخزوناتها الاستراتيجية التي كانت تبنيها بشكل منهجي منذ عام 2025، ما سيُشكّل طلباً إضافياً ضاغطاً على السوق. وهنا تكمن المفارقة: العامل الذي ساعد على تهدئة الأسعار خلال الأزمة قد يتحول، عند الانفراج، إلى قوة دفع جديدة لها.
أوبك+ لن تنقذ الموقف
من الناحية النظرية، يمكن لتحالف أوبك+ أن يعوّض جزءاً من النقص برفع الإنتاج بشكل استثنائي. لكن التحالف، الذي يعاني من تداعيات خروج الإمارات، اكتفى بزيادة رمزية قدرها 188 ألف برميل يومياً لشهر حزيران/يونيو، وليس ثمة مؤشر على أن الرياض وموسكو تستعجلان ضخ كميات استثنائية تُضحي فيها بأسعار مرتفعة تُدرّ عليهما إيرادات طال انتظارها. وبعبارة أوضح، لا تبدو أوبك+ في موقع من يريد إنقاذ المستهلكين من الأسعار، بقدر ما تبدو في موقع من يقرأ اللحظة بوصفها فرصة لإعادة ترميم الإيرادات.
خلاصة الأرقام
برنت عند 82-83 دولاراً اليوم لا يزال أعلى بنحو 20% مما كان عليه قبل الأزمة، وتتوقع المفوضية الأوروبية أن يبلغ متوسطه نحو 90 دولاراً للبرميل طوال عام 2026. كما ترى مؤسسة بروكينغز أن الفجوة في الإمدادات ستتّسع في الأشهر المقبلة مع نضوب الاحتياطيات المؤقتة. لذلك، قد يكون الاتفاق بداية الحل، لكنه ليس الحل ذاته. والسوق، كما يحدث كثيراً، يرتكب خطأ الخلط بين لحظة الانفراج ومسار التعافي.



