أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

مَن أمَنّاه على 100 ألف وأعادها 10 آلاف يريد إصلاح الاقتصاد! (الجمهورية 12 حزيران)

منذ اندلاع الأزمة المالية في لبنان، يتكرّر الخطاب نفسه بأشكال مختلفة. تتبدَّل الحكومات، ويتغيَّر الوزراء والحكام، وتُعقَد المؤتمرات وتُطرح الخطط، لكنّ الثابت الوحيد في أكبر فضيحة مالية شهدها لبنان، هو الامتناع المستمر عن كشف حقيقة ما جرى للودائع وفتح حسابات المصارف.

صرّح مؤخّراً حاكم مصرف لبنان المركزي، كريم سعيد، في المجلس الاقتصادي الاجتماعي عن «خارطة التعافي في لبنان»، فأعاد التأكيد على ما أصبح معروفاً للجميع: «الدولة تتحمَّل مسؤولية، ومصرف لبنان يتحمَّل مسؤولية، والمصارف تتحمَّل مسؤولية».

لكنّ اللبنانيّين لا يبحثون اليوم عن توصيف جديد للأزمة، بل عن إجابات واضحة لأسئلة بسيطة ومباشرة. كم أخذ مصرف لبنان من كل مصرف على حدة؟ وكم بقي لدى كل مصرف من أموال المودعين؟ وهل انتقلت كامل الودائع إلى مصرف لبنان، أم أنّ جزءاً منها بقي لدى المصارف؟ وإذا بقيت أموال لدى المصارف، فكيف استُخدمت خلال السنوات الماضية، وما هي الأرباح التي نتجت عنها وأين ذهبت؟

هذه الأسئلة ليست اتهامات ولا تحتاج إلى لجان وخطط ودراسات طويلة، بل إلى نشر أرقام نعرف أنّها موجودة في سجلّات مصرف لبنان ودفاتر المصارف. ولذلك، يصبح من الصعب فهم استمرار حجب هذه المعلومات عن الرأي العام. فإذا كانت الوقائع متوافرة، فلماذا لا تُنشر؟ وإذا كانت هناك أسباب تمنع ذلك، فما هي؟ وهل يكمن السبب في أنّ هذه الأرقام قد تلقي الضوء على تورُّط بعض المسؤولين؟

لماذا يستمر التستر على المصارف؟ ولماذا يقبل مصرف لبنان عملياً تحمُّل القسم الأكبر من المسؤولية عن الأزمة، من دون أن يضع أمام اللبنانيّين الوقائع الكاملة؟

وفي ظل هذا الغموض، تتعمّق أزمة الثقة يوماً بعد يوم. فالمودعون الذين خسروا جنى أعمارهم يشاهدون في المقابل أصحاب مصارف وكبار مساهمين، يعيشون ببحبوحة ويشترون عقارات وأملاكاً في الخارج وربما الداخل، فيما يتراجع مستوى معيشة آلاف العائلات، ويخسر كثيرون أعمالهم ومدّخراتهم. وحتى مَن يُسمّون كبار المودعين، فبعضهم خسر أعماله وافتقر.

المشكلة، أنّ الحكومات المتعاقبة تجنّبت الاقتراب من حسابات المصارف، ويبدو أنّ النهج نفسه مستمر حتى اليوم. الجميع يتحدّث عن إعادة الهيكلة والتعافي والإصلاح، لكنّ أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يبدأ من دون معرفة الوقائع الأساسية. فالحقيقة تبدأ من نشر الأرقام، ومن حق كل مودع أن يعرف أين ذهب كل دولار من أمواله، ومن حق اللبنانيّين أن يطلعوا على حسابات جميع المصارف، وأن يخضع الجميع للتدقيق نفسه والمعايير نفسها.

ونحن نقولها بوضوح: الشبهات ستبقى قائمة ما دامت حسابات المصارف مغلقة أمام الرأي العام. لكنّ المطالبة بالتدقيق لا تعني إدانة أحد مسبقاً. على العكس، نحن لا نريد ظلم أحد ولا محاسبة مَن قد يكون تعرَّض للاتهام ظلماً. لكن نرفض أن يغتنوا على حساب الناس. ولهذا السبب تحديداً نطالب بالشفافية الكاملة. فمَن كان بريئاً سيبرِّئه التدقيق، ومَن كان مسؤولاً ستكشفه الوقائع.

والأغرب، أنّ هذه الأسئلة البديهية تُقابل أحياناً وكأنّها غير مهمّة. لذلك نسأل سعادة حاكم مصرف لبنان بشكل مباشر: هل تعتبرون هذه الأسئلة بلا قيمة؟ وإذا كان الجواب نعم، فهل يمكن أن تشرحوا للبنانيّين لماذا؟ وكيف يمكن بناء أي خطة تعافٍ من دون كشف هذه الحقائق؟

وإلى النواب والوزراء وكل المعنيّين: كفى دوراناً في الحلقة نفسها. افتحوا حسابات المصارف، وانشروا الأرقام كما هي، وحدِّدوا المسؤوليات كما هي. فلبنان لم يعُد يحتمل المزيد من الغموض ولا المزيد من الخطابات التي تتحدّث عن الخسائر من دون أن تكشف أين ذهبت الأموال. الحقيقة ليست تفصيلاً، بل هي نقطة البداية لأي عدالة أو تعافٍ أو استعادة للثقة.

كفى تضييعاً للوقت، بالإضافة إلى ذلك، إنّ الاستمرار في منع إنشاء مصارف جديدة ورفض تعديل القوانين اللازمة، لا يؤدّي إلّا إلى تعميق الأزمة، وإلى زيادة ثروات مَن استفادوا منها على حساب الناس والاقتصاد.

إذا كان الهدف حماية المصارف الحالية، فقولوا ذلك بصراحة. أمّا إذا كان الهدف فعلاً مصلحة لبنان واستعادة الثقة، فاسمحوا بإنشاء مصارف جديدة تعمل وفق قواعد شفافة وواضحة.

فالمودع الذي أودع 100 ألف دولار واستعاد 10 آلاف فقط، سواء خسر أمواله بسبب سوء الإدارة أو بسبب السرقة أو التبديد، فالنتيجة واحدة: فقدت المصارف الحالية أهليّتها ومصداقيّتها، ولا يمكنها أن تطلب من الناس منحها فرصة جديدة، ولا يمكنها أن تكون شريكاً في إصلاح الاقتصاد في المرحلة المقبلة.

 

بواسطة
فادي عبود
المصدر
الجمهورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى