أخبار لبنانابرز الاخبار

الامتحانات الرسميّة في مهبّ الحرب: هل يصل طلّاب الجنوب إلى قاعات الامتحان؟

قبل أسابيع قليلة من انطلاق الامتحانات الرسميّة، لا ينشغل طلّاب الجنوب اللبناني فقط بمراجعة الدروس والتحضير للاستحقاق التربوي، بل يواجهون هاجساً آخر لا يقل أهميّة: كيفيّة الوصول إلى مراكز الامتحانات في ظلّ الأوضاع الأمنيّة المتقلبة واستمرار المخاوف المرتبطة بالتنقل على الطرقات.
وتزداد هذه المخاوف بعد الحادثة التي شهدتها طريق الخردلي، والتي أعادت إلى الواجهة قضية سلامة المدنيين والطلاب الذين يضطرون يوميّاً إلى التنقل بين المناطق الجنوبيّة وبيروت أو بين الأقضية المختلفة. وبين إصرار الدولة على إجراء الامتحانات في موعدها، وقلق الأهالي على أبنائهم. يبرز سؤال أساسي: هل أصبحت الشهادة الرسمية رهينة الظروف الأمنيّة؟
ولعلّ الحادثة التي هزّت الرأي العامّ الجنوبي أخيراً كانت كفيلة بإعادة طرح ملفّ الامتحانات والتنقّل إلى الواجهة. فقد قُتل طبيب الأسنان جيمس كرم وولداه، الطالبة الجامعيّة ثيودوسيا كرم وشقيقها طوني كرم، من بلدة القليعة إثر استهداف سيّارتهم على طريق النبطيّة – الخردلي أثناء عودتهم إلى منزلهم. وكانت ثيودوسيا قد توجّهت صباح ذلك اليوم إلى بيروت لتقديم امتحاناتها الجامعيّة في الجامعة اللبنانيّة، قبل أن تتحوّل رحلة العودة إلى مأساة أنهت حياة أفراد العائلة الثلاثة. وقد أثارت الحادثة صدمة واسعة بين الطلّاب والأهالي، الذين رأوا فيه تجسيداً للمخاطر التي يواجهها أبناء المناطق الجنوبيّة في سبيل متابعة تعليمهم، وأعادت طرح تساؤلات جديّة حول سلامة الطلاب الذين سيضطرون إلى سلوك الطرق نفسها خلال فترة الامتحانات الرسميّة. وقد دفعت هذه المأساة الجامعة اللبنانيّة إلى تأجيل بعض امتحاناتها، فيما تجدّدت المطالب بوضع خطط استثنائيّة تراعي الواقع الأمني وتحمي الطلاب من أن يصبحوا ضحايا في طريقهم إلى مستقبلهم العلمي.

عام دراسي تحت الضغط
لم يكن العام الدراسي الحالي عادياً بالنسبة إلى طلّاب الجنوب. فالحرب وما رافقها من نزوح وتهجير وانقطاع متكرّر للدراسة تركت آثاراً عميقة على العمليّة التعليميّة.
في قرى مرجعيون وبنت جبيل والنبطية، اضطرّ كثير من الطلاب إلى متابعة دراستهم وسط ظروف استثنائيّة؛ بعضهم انتقل من منزله إلى مراكز إيواء، وآخرون تابعوا دروسهم وسط أصوات الغارات والقلق الدائم من تطورات الميدان.
يقول طالب من مدرسة مرجعيون الوطنيّة يستعدّ لخوض امتحانات الثانوية العامّة:
“خلال هذا العامّ لم نكن نفكّر فقط في الامتحانات، بل في كيفيّة متابعة الدراسة أصلاً. اليوم نعيش ضغطاً إضافيّاً لأنّنا لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث خلال فترة الامتحانات”.
أمّا طالبة من بنت جبيل فتؤكد أن الخوف من الطريق بات جزءاً من يوميّاتها:
“كلّما اقترب موعد الامتحانات يزداد القلق. نريد أن نقدّم امتحاناتنا، لكنّنا نريد أيضاً أن نصل إلى مراكز الامتحانات ونعود إلى منازلنا بأمان”.

طريق الخردلي… الخوف الذي لم ينتهِ
تضاعفت مخاوف الطلاّب والأهالي بعد سلسلة الأحداث الأمنية التي شهدها محور الخردلي خلال الأسابيع الأخيرة. فبعد المأساة التي أودت بحياة أفراد من عائلة كرم من بلدة القليعة أثناء عودتهم من بيروت، عادت الطريق نفسها إلى واجهة الأحداث مع استهداف آلية للجيش اللبناني على طريق الخردلي – النبطيّة، ما أدّى إلى استشهاد عدد من العسكريين بينهم ضباط أثناء قيامهم بمهامهم. وقد عززت هذه التطورات شعور الأهالي بأن الطريق التي يسلكها يوميّاً مئات الطلاب باتت رمزاً لحالة القلق التي تسيطر على المنطقة. فبالنسبة إلى العائلات التي تستعد لإرسال أبنائها إلى مراكز الامتحانات الرسميّة، لا يتعلق الأمر فقط بمسافة تفصل المنزل عن قاعة الامتحان، بل برحلة محفوفة بالمخاوف والهواجس الأمنية. ومع كل حادث جديد على هذا المحور الحيوي، تتجدّد التساؤلات حول قدرة الطلاب على الوصول إلى مراكزهم بأمان، وحول الإجراءات التي يمكن اتخاذها لحماية حقّهم في التعليم في ظلّ واقع ميداني لا يزال مفتوحاً على احتمالات التصعيد.

تكافؤ الفرص موضع تساؤل
تطرح هذه الظروف تساؤلات حول مدى تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب. فبين طالب يعيش في منطقة مستقرّة نسبياً ويصل إلى مركز الامتحان بسهولة، وآخر يضطر إلى قطع عشرات الكيلومترات عبر طرقات شهدت حوادث أمنيّة متكرّرة، تبدو الفوارق واضحة.
ويعتبر متخصّصون في الشأن التربوي أن العدالة في الامتحانات لا تقتصر على توحيد الأسئلة، بل تشمل أيضاً توفير ظروف متقاربة لجميع المرشحين، بما يضمن أداء الامتحانات بعيداً عن الخوف والضّغوط الامنيّة.

بين المستقبل والخوف
رغم كلّ الصعوبات، لا يزال طلّاب الجنوب يتمسّكون بحقّهم في متابعة تعليمهم وإنجاز عامهم الدراسيّ. فهم يدركون أهميّة الامتحانات الرسميّة في رسم مستقبلهم الأكاديمي، لكنّهم في الوقت نفسه يعيشون قلقاً يوميّاً مرتبطاً بالواقع الأمني المحيط بهم.
وبين دفاتر الدراسة وأخبار التصعيد، يحاول هؤلاء الطلاب التمسّك بالأمل، فيما تبقى الأنظار متجهة إلى الجهات المعنية لمعرفة ما إذا كانت قادرة على توفير الظروف التي تسمح بإجراء الامتحانات بأمان.
في جنوب لبنان، لم تعد الامتحانات الرسميّة مجرّد استحقاق تربوي، بل تحوّلت إلى اختبار لقدرة الطلّاب على الصّمود بوجه ظروف استثنائيّة فرضتها الحرب. وبين الخوف الذي يرافق الطريق إلى مراكز الامتحانات والأمل في مستقبل أفضل، يبقى السؤال الذي يؤرق آلاف العائلات: هل سيتمكّن الطلّاب من الوصول إلى قاعات الامتحانات بأمان، أم أن الحرب ستفرض مجدداً حضورها على واحد من أهمّ الاستحقاقات التعليميّة في البلاد؟

بواسطة
فاتن كحيل
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى