بعد 100 يوم على الحرب.. إلى أين تتجه أسعار النفط؟
مسار سعر الخام بين مدرستين: الأولى ترى ارتفاعاً حاداً بحلول منتصف يوليو، والثانية تعتبر أن الأسواق قد تكيّفت مع الحرب

بعد 100 يوم على اندلاع الحرب على إيران، يواجه محللو الطاقة معضلة تقييم الفجوة الحقيقية القائمة في أسواق النفط في محاولة للتنبؤ باتجاه الأسعار في حال استمرار تعطل الملاحة شبه الكامل في مضيق هرمز.
فقدت الأسواق خُمس إمداداتها من النفط بفعل الأزمة، 20 مليون برميل تقريباً، وهو أكبر اضطراب تسجَّله على الإطلاق، ومع ذلك ظل سعر خام برنت دون حاجز 120 دولاراً للبرميل. للسياق، يظل هذا الرقم بعيداً عن المستويات القياسية التي سُجّلت في يوليو 2008، حين وصل السعر إلى 147 دولاراً للبرميل بفعل المضاربة واتساع الفجوة آنذاك بين نمو الطلب في آسيا وركود العرض، وهو ما يعادل 210 دولارات اليوم مع احتساب التضخم.
هذه الفجوة -بين حجم الصدمة وضبط السعر- باتت محور النقاش بين تيارين بارزين: الأول يتوقع ارتفاعاً للأسعار لتصل إلى 150 دولاراً للبرميل إذا ما استمر تعثر الملاحة في الخليج، والثاني يتوقع تأقلم الأسواق مع الوضع الجديد، بشرط عدم اتساع الهجمات والعمليات الحربية.
تكتسب أسعار النفط أهمية فائقة خلال المرحلة المقبلة من عمر الصراع، إذا أن استقرارها قد يخفف الضغط السياسي داخلياً على الرئيس الأميركي دونالد ترمب للوصول إلى اتفاق يعيد فتح المضيق سريعاً وبأي ثمن. أما ارتفاعها لمستويات تقترب من 150 دولاراً للبرميل، فقد يزيد من احتمالات تعرض الاقتصاد العالمي للركود.
المدرسة الأولى: الأسعار قد تصل إلى 150 دولار
ترى المدرسة الأولى أن الأسعار ظلت مكبوحة بفعل دعائم مؤقتة بطبيعتها، وأن السوق ستواجه -حالما تُستنفد- عجزاً يتعذّر التستر عليه. تأتي أوضح صياغة لهذا التحليل من “معهد بروكينغز” في واشنطن، والذي وصف الوضع الراهن في دراسة بنهاية مايو بأنه سباق بين مدة صمود تلك المصدات وتوقعات السوق لمدة بقاء المضيق مغلقاً.
من بين أهم دعائم السوق حاليا:
- خطوط الأنابيب التي تلتف حول مضيق هرمز: خط السعودية ” شرق- غرب” إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وخط الإمارات إلى الفجيرة، على خليج عُمان، اللذان عوضا النقص في الصادرات بحدود 5 ملايين برميل يومياً بالنسبة للأول و1.5 مليون برميل يومياً للثاني.
- إنتاج متصاعد من الولايات المتحدة وكازاخستان وغيانا والبرازيل.
- المخزونات الطارئة لأعضاء وكالة الطاقة الدولية.
- الخام الروسي الإيراني المخزن في البحر منذ اندلاع الحرب.
- توجيهات حكومية لخفض استهلاك الطاقة خاصة في دول آسيا التي تعتمد على نفط الخليج
- تقلص استهلاك المحروقات بفعل غلاء الأسعار
منتصف يوليو
خفّفت هذه الدعائم مجتمعةً وقع الصدمة، لكن المخزونات على أنواعها ستنفد في حال استمرت الأزمة. ويقدّر “معهد بروكينغز” أنه بحلول منتصف يوليو قد تكون استُنفدت إلى حد بعيد، تاركةً فجوة تقدر بـ7 ملايين برميل يومياً، يتعيّن أن تستوعبها الأسعار التي قد تقترب إلى 150 دولاراً متى تصل الأسواق الى خلاصة أن دعامات السوق المؤقتة قد نفدت.
يؤيد هذا الرأي آموس هوكستين، مستشار الطاقة السابق خلال ولاية الرئيس الأميركي جو بايدن. وقال هوكستين في تصريحات لتلفزيون بلومبرغ يوم 4 يونيو إنه لا يصدق تصريحات ترمب بأن الحصار الأميركي على مضيق هرمز قد يدوم حتى شهر سبتمبر، مضيفاً: “كل الاحتياطات تتناقص بمستويات تاريخية، وهي ليست قابلة للتجديد (سريعاً)”.
ويتوقع هوكستين أن تصل الاحتياطات لمستوى حرج بحلول منتصف يوليو، وهي الفترة الزمنية التي يتوقع أن تحاول خلالها الإدارة الأميركية التوصل إلى اتفاق.
المدرسة الثانية: الوضع الطبيعي الجديد
تقرأ المدرسة الثانية انضباط الأسعار بوصفه دليلاً على أن السوق تكيّفت مع التطورات، وأنه كلما طال أمد الاضطراب، يصبح الوضع القائم أقرب إلى الحالة الطبيعية، لا الطارئة.
فعلى صعيد الطلب، يتآكل الاستهلاك بهدوء في ظل موجة ترشيد في آسيا التي تُعاني بسبب اعتمادها على نفط الخليج. حيث لجأت حكومات باكستان والفلبين وسريلانكا إلى فرض أسبوع عمل من أربعة أيام. وفي أوروبا، خفّضت بعض الحكومات منها ألمانيا، إيطاليا وإسبانيا الضرائب على الطاقة لحماية المستهلكين من ارتفاع الأسعار.
وأشارت وكالة الطاقة الدولية إلى انخفاض تشغيل المصافي في العالم بنحو 5 ملايين برميل يومياً على أساس سنوي في أبريل، مع توقع انكماش الطلب العالمي على النفط بمقدار 420 ألف برميل يومياً للعام 2026 مقارنةً بالعام الماضي.
وعلى صعيد العرض، لا تزال البراميل الإضافية تجد طريقها إلى السوق. فالإنتاج الأميركي والكازاخستاني يدور قرب مستواه القياسي، كما أن الخام الروسي يتدفّق، رغم تراجع أسعاره مؤخراً. كما يشير بنك “جي بي مورغان” الأميركي إلى استمرار تدفق مليون برميل نفط عبر مضيق هرمز رغم الأزمة.
وفي هذا السياق، استبعدت كايت دوريان، الكاتبة المتخصصة في شؤون الطاقة في نشرة “MEES” أن “تعود الأمور إلى سابق عهدها، حتى لو أُعيد فتح المضيق، بفعل السابقة التي أوجدتها الأزمة، إذ أنه قد يُغلق مجدداً، مما سيدفع دول الخليج العربية الى تشييد ممرات التفافية إضافية” من بينها خط الأنابيب الإماراتي الجديد الذي سيضاعف صادرات أبوظبي من خليج عُمان عند اكتماله في 2027.
210 دولارات في حال استئناف الحرب وامتدادها الى منشآت الطاقة
هناك بالطبع، سيناريو أكثر سواداً بالنسبة لسوق النفط، تُستأنف فيه الحرب وتُحدث أضرار جسيمة بالبنية التحتية الإقليمية للطاقة. في هذا السيناريو، قد ترتفع الأسعار إلى 210 دولارات للبرميل في البداية، قبل أن تستقر عند 150 دولاراً حتى عام 2028، بحسب تقييم للحكومة البريطانية اطلعت عليه بلومبرغ.
وبحسب نفس التقرير، قد يظل سعر الخام بين 100 و150 دولاراً للبرميل حتى في حال التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة و إيران خلال هذا العام، بسبب بطء تعافي التدفقات من الخليج، على أن يبقى بالقرب من 100 دولار للبرميل حتى عام 2028.



