سعيد : الأزمة نظامية والدولة تتحمّل المسؤولية الأساسية (نداء الوطن 4 حزيران)

أكد حاكم مصرف لبنان كريم سعيد إن الأزمة المالية/ المصرفية في لبنان هي، من الناحية التقنية، «أزمة نظامية» بكل ما للكلمة من معنى، وقد جرى توصيفها على هذا النحو من قبل العديد من الخبراء محلياً ودولياً، كما أقرّ بها مؤخراً صندوق النقد الدولي.
عقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي امس، لقاءً حواريًا وتشاركيًا مع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد.
بعد كلمة لرئيس المجلس شارل عربيد، ركّز فيها على “أهمية التعديلات المرتقبة على مشروع قانون إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، وأثرها على مسار المعالجة المالية والاقتصادية”، ألقى حاكم مصرف لبنان كلمة مسهبة كرّر فيها توصيف الأزمة في لبنان بأنها أزمة نظامية، وقال:
“المسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي لمصرف لبنان، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها البعض وصولاّ الى انهيار شامل.
والحقائق الأساسية في هذا السياق لا تحتمل أي تجميل:
• نحو 80 مليار دولار من الخسائر في القطاع المصرفي، أُودِعت بمعظمها من قبل المصارف لدى مصرف لبنان.
• تخلّف الدولة عن سداد سندات اليوروبوندز في آذار 2020، بالتوازي مع انهيار قيمةسندات الخزينة بالليرة اللبنانية التي كانت تساوي ضعف قيمة سندات اليوروبوندز.
• انهيار سعر صرف العملة الوطنية بأكثر من 98%، وظهور أسواق موازية تعمل خارج الأطر الشرعيّة.
• ست سنوات من الشلل ، من دون قانون لإعادة الهيكلة، أو خطة تعافٍ، أو مسار إصلاحي واضح.
• حرب عام 2024 التي أضافت مزيداً من الدمار إلى ما كان قائماً، ثم الحرب الدائرة اليوم في العام 2026.
وقال حاكم المركزي ان الأزمة اللبنانية تختلف “اختلافاً جوهرياً عن جميع الأزمات، ففي معظم الحالات (في الخارج)، كان القطاع الخاص هو من أشعل شرارة الأزمة. أما في لبنان، فقد كان القطاع العام هو نقطة الانطلاق.
تابع: “في لبنان، كانت الدولة بسبب التهوّر المالي والإستدانة الشرسة والممنهجة هي اللاعب الرئيسي في هذه المأساة الوطنية، فيما أصبح سائر المستفيدين والمشاركين فيها إما وكلاء أساسيّين كمصرف لبنان أو شركاء فعليّين كالمصارف التجاريّة.
فالأزمة اللبنانية لم تولد في مهد القطاع الخاص، بل كانت أزمة بدأها القطاع العام، وتمت هندستها على مدى عقود لتمويل عجز مالي مزمن وهيكلي، من خلال آلية تنم عن قدر كبير من اللامبالاة بالمخاطر: فقد اقترضت الدولة من مصرف لبنان بالليرة اللبنانية وبالدولار الأميركي بأسعار فائدة ما كان ينبغي لأي دولة أن تدفعها؛ وعرض مصرف لبنان على المصارف التجارية عوائد استثنائية لقاء توظيف أموالها لديه؛ وقبلت المصارف، بدافع السعي إلى الربح المفرط. إن هذا التفاوت في المسؤولية يشكل الأساس الأخلاقي والقانوني لموقف مصرف لبنان من مبدأ توزيع الأعباء.
فالدولة تتحمل المسؤولية الأساسية. ويتحمل مصرف لبنان مسؤولية تكاد تضاهي وتنافس مسؤولية الدولة، نتيجة إخفاقه في أداء دوره كجهة ناظمة رقابية على القطاع المصرفي، وكمصرف للدولة يلتزم مقتضيات الرصانة المالية. كما تتحمل المصارف التجارية، التي استفادت من هذا الوضع وحققت مكاسب من خلاله، مسؤولية لا يجوز لها التهرب منها تحت ستار الادعاء بأنها كانت مرغمة بسبب ضيق الإمكانيات المتاحة للإستثمار في الخارج أو مجرّد أداة ماليّة أو وسيط متجرّد بين المودعين والمصرف المركزي أو الدولة.



