أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

التدقيق الجنائي – 2: سعيد يعد بـ«إصلاح» انتقائي

حصر حاكم مصرف لبنان التدقيق الجنائي الجديد بملف الدعم متجاهلاً ملفات تتجاوز 100 مليار دولار وثّقها تقرير سابق، ما يثير تساؤلات حول انتقائية «الإصلاح» وجدوى التعاقد مجدّداً مع شركة خارجية بدل استكمال التحقيقات القائمة

كشف حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، قبل أيام، عن تلزيم شركة «ألفاريز أند مرسال» لإجراء تدقيق جنائي في التحويلات المالية التي نفّذها مصرف لبنان بين 1 تشرين الأول 2019 و31 كانون الأول 2023. وأوضح أن التدقيق سيشمل بصورة أساسية «برنامج الدعم الذي أقرّته الحكومات المتعاقبة، والأموال التي وضعها مصرف لبنان في تصرّف المؤسسات العامة والهيئات الحكومية».

للوهلة الأولى، يبدو الخبر إيجابياً، ولا سيما أن الهدف المُعلن للتدقيق هو التحقّق من حجم الأموال التي أُنفقت، وملاحقة الجهات أو الأفراد الذين استفادوا من أموال الدعم بصورة غير مشروعة أو أساؤوا استخدامها، وكشف الحالات التي استُخدمت فيها هذه الأموال خلافاً للأهداف المُعلنة لبرامج الدعم. ووعد الحاكم اللبنانيين بالالتزام بمبدأَي الشفافية والإفصاح، مؤكداً أنه سيُطلِع الرأي العام دورياً على تقدّم أعمال التدقيق الجنائي، وأن التقرير النهائي سيُحال إلى وزارتي المال والعدل. إلا أنه، وفي مفارقة لافتة مقارنة بالشفافية الموعودة، لم يفصح للرأي العام عن قيمة العقد، ولم يعلن تفاصيله إلا بعد انتهاء المناقصة وتلزيمها.

الشركة الفائزة ليست غريبة عن مصرف لبنان. فقد شكّلت مادة سجال واسعة في البلاد بين عامي 2020 و2023. ففي عهد الرئيس السابق ميشال عون، كُلّفت «ألفاريز أند مرسال» بإجراء تدقيق جنائي في حسابات المصرف المركزي عن الفترة الممتدة بين عامَي 2015 و2020.

وفي آب 2023، سلّمت تقريرها النهائي للدولة اللبنانية، متضمّناً توصيفاً لعمليات اختلاس داخل المصرف من دون تحديد المستفيد النهائي منها في بعض الحالات.

وأشار التقرير إلى تحويلات مالية «غامضة» بقيمة 111 مليار دولار، كما تناول انتقال صافي احتياطات مصرف لبنان من فائض بلغ 7.2 مليارات دولار إلى عجز وصل إلى 50.7 مليار دولار، بما يشير إلى تبديد نحو 57.9 مليار دولار من أموال المودعين. كذلك أورد التقرير معلومات عن هندسات مالية بلغت قيمتها نحو 115 تريليون ليرة، وعن أرباح فورية وعمولات حصلت عليها شركة «أوبتيموم» قُدّرت بنحو 8 مليارات دولار.

وكانت الشركة التي بلغت قيمة عقدها 2.7 مليون دولار، اصطدمت آنذاك بعدم تعاون حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، الذي امتنع عن تزويدها بالمعلومات المطلوبة، كما واجهت رفضاً مماثلاً من نقابة موظفي المصرف التي امتنعت عن التجاوب مع طلباتها. وانتهى الأمر إلى تقرير يوثّق وقوع المخالفات ويصف الجريمة، من دون أن يتمكّن من تحديد هوية المرتكبين أو الجهات التي استفادت منها.

حدث ذلك فيما كان سلامة لا يزال مُمسِكاً بمفاصل المصرف المركزي، وقادراً على التحكّم بالمعلومات وبجزء كبير من الطبقة السياسية التي استفادت منه ومن الامتيازات والمنافع التي وفّرها لها على مدى سنوات طويلة.

أمّا اليوم، فثمة حاكم جديد عيّنه رئيس الجمهورية جوزيف عون في مستهلّ ما سُمّي «عهد الإنقاذ»، وحكومة تعهّدت في بيانها الوزاري، حرفياً، بـ«إصلاح المؤسسات واستكمال التدقيق المحاسبي والجنائي». وكان يُفترض أن يعني ذلك استكمال التدقيق السابق وصولاً إلى تحديد المسؤوليات وكشف المستفيدين الفعليين، لا في ملف واحد فحسب، بل في مجمل الملفات التي حكمت تلك المرحلة ووثّقت «ألفاريز أند مرسال» جانباً منها في تقريرها السابق.

إلا أن الحاكم الحالي اختار الاستعانة بالشركة نفسها لإجراء تدقيق جنائي محصور بملف الدعم، أي بملف تُراوِح قيمته بين 8 و9 مليارات دولار، متجاوزاً ملفات أخرى تتخطّى قيمتها الإجمالية 100 مليار دولار.

ومن هنا، يصبح التساؤل مشروعاً حول الغاية الفعلية من هذا العقد، وحول أسباب حصر التدقيق بالفترة الممتدة من عام 2019 وما بعده، وإسقاط السنوات السابقة التي شهدت القسم الأكبر من السياسات والممارسات المالية التي أوصلت البلاد إلى الانهيار. فسعيد، بخلاف سلامة، لا يواجه عقبات تحول دون تسليم الشركة كامل البيانات والمستندات المطلوبة لاستكمال ما بدأته في التدقيق السابق. ولذلك يبرز سؤال بديهي: لماذا لا يُستكمل التحقيق في الملفات التي بقيت ناقصة؟ ولماذا يسير على خطى سلفه بـ«إصلاح» انتقائي؟

وثمة مسألة أخرى لا تقلّ أهمية، تتعلّق أساساً بجدوى تكليف شركة أجنبية مجدّداً بالتدقيق في حسابات مصرف لبنان. ففي المرحلة السابقة، كان اللجوء إلى جهة خارجية يُبرَّر بأن الشبهات كانت تطاول الحاكم نفسه، ما استدعى الاستعانة بطرف مستقلّ. أمّا اليوم، فقد تغيّر الحاكم، كما أن عدداً كبيراً من الملفات المالية بات موضع تحقيقات قضائية مفتوحة، وما تحتاج إليه هذه الملفات فعلياً هو تفعيل عمل القضاء ومتابعة التحقيقات القائمة.

إضافة إلى ذلك، بات بالإمكان إجراء تدقيق واسع وشامل داخل مصرف لبنان نفسه، بعدما انتفت الأسباب التي كانت تحول دون ذلك. فالحاكم الحالي يملك صلاحية تكليف المديريات المختصة في المصرف بتنفيذ عمليات التدقيق المطلوبة، كما أن جزءاً كبيراً من هذه المهمة يدخل أصلاً في صلب اختصاصات هيئة التحقيق الخاصة التي يرأسها سعيد، وتتولّى متابعة العمليات المالية المشبوهة وجرائم تبييض الأموال، وتملك صلاحية رفع السرية المصرفية عن الحسابات والأشخاص الذين تدور حولهم شبهات مماثلة.

وتضم الهيئة في عضويتها رئيس لجنة الرقابة على المصارف، إلى جانب قاضيين هما رئيسة محكمة التمييز الجزائية القاضية سهير الحركة، والعضو الرديف القاضي سامر ليشع، ما يوفّر لها إمكانات قانونية ورقابية واسعة تؤهّلها للقيام بمهمة التدقيق والتحقيق بصورة مباشرة، من دون الحاجة إلى إنفاق المزيد من المال العام على عقود خارجية جديدة.

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى أن يوضح الحاكم أسباب هذا الخيار. فالمسألة قد توحي، إمّا بعدم ثقته بالأجهزة والإدارات التابعة للمصرف المركزي وقدرتها على إنجاز المهمة، وإمّا بوجود اعتبارات أخرى تتعلّق بطبيعة البيانات التي ستُسلَّم للمدقّق الخارجي، وبإمكانية حصر التدقيق في ملفات وعمليات محدّدة دون غيرها.

بواسطة
رلى ابراهيم
المصدر
الاخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى