أخبار لبنانابرز الاخبار

سلوك المستهلك اللبناني تغيّر: الأرخص أوّلًا

بين الحرب والتوترات الداخلية والانهيار المالي وارتفاع الأسعار عالميًا، وجد اللبناني نفسه محاصرًا بأزمات متلاحقة أكلت قدرته الشرائية وغيّرت نمط حياته بالكامل. ومع تراجع الدخل وارتفاع كلفة المعيشة، لم يعد قرار الشراء قائمًا على الجودة أو العلامة التجارية، بل على سؤال واحد فقط: ما هو الخيار الأرخص؟ ومن هنا، تحوّل “الأرخص أوّلا” من سلوك استهلاكي مؤقت إلى واقع اقتصادي يعكس عمق الأزمة الاقتصادية القائمة.

تُشير تقديرات تجار التجزئة إلى أن أكثر من حوالي 70 % من العائلات اللبنانية باتت تعتمد بشكل أساسي على المنتجات الأقل سعرًا عند التسوّق اليومي، فيما تراجعت مبيعات العلامات التجارية المعروفة بنحو 40 إلى 60 % خلال السنوات الأخيرة، لصالح البدائل الاقتصادية والمنتجات المحلية.

في السوبرماركت، لم تعد سلة المشتريات تعكس تنوّعًا كما في السابق. وفق أصحاب محال التجزئة، انخفض متوسط سلة التسوّق للعائلة الواحدة من نحو 80–100 دولار أسبوعيًا قبل الأزمة إلى ما بين 25 و40 دولارًا حاليًا. كما تمّ استبدال عدد كبير من المنتجات المستوردة ببدائل أرخص محليًا أو إقليميًا.

تقول هدى، وهي موظفة وأم لثلاثة أولاد، إن التسوّق أصبح “عملية حسابية مرهقة”. وتضيف: “لم نعد نشتري ما نرغب به، بل ما نستطيع تحمّل سعره فقط. أحيانًا نختار المنتج الأرخص حتى لو كانت جودته أقل”.

نمو سوق “المستعمل”

هذا التحوّل لم يقتصر على الغذاء، بل طال الألبسة ومواد التنظيف والأثاث وحتى بعض الخدمات اليومية، حيث ارتفع الطلب على المنتجات الرخيصة بنسبة تُقدّر بنحو 50 %، بالتوازي مع نمو سوق “المستعمل” الذي أصبح يمثل ما يقارب 30 % من عمليات الشراء في بعض الفئات مثل الألبسة والأجهزة المنزلية الصغيرة.

ويشير صاحب سوبرماركت في بيروت إلى أن “سلوك الزبائن تغيّر بالكامل”، قائلا: “الزبون يسأل أحيانًا عن كل غرض بغرضه”.

اقتصاديًا، يعكس هذا التحوّل العميق في سلوك المستهلك اللبناني انكماشًا واضحًا في الطلب الداخلي، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن حجم الاستهلاك الخاص تراجع بنحو 55 % مقارنة بما قبل الأزمة. هذا الانكماش أصاب مباشرةً القطاعات الإنتاجية والتجارية، حيث تراجعت مبيعات السلع ذات القيمة المضافة العالية بين 30 و50 %، ما دفع العديد من الشركات إلى تقليص موظفيها أو تعديل منتجاتها لتناسب القدرة الشرائية الجديدة.

كما أدّى هذا التحوّل إلى توسّع الاقتصاد منخفض الكلفة على حساب الاقتصاد القائم على الجودة والتنوع، ما يضعف الدورة الاقتصادية العامة ويقلّص من هامش النمو، في وقت أصبحت فيه معظم الأسر تنفق أكثر من 70 % من دخلها على الغذاء والمواد الأساسية فقط، وفق تقديرات خبراء اقتصاديين.

وهكذا، لم يعد “الأرخص أوّلا” مجرد سلوك فردي داخل السوبرماركت، بل أصبح مؤشرًا اقتصاديًا واضحًا على مرحلة يعيش فيها اللبناني إعادة تعريف كاملة لمعنى الاستهلاك، في ظل أزمة مستمرّة تعيد رسم تفاصيل الحياة اليومية والاقتصاد معًا.

المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى