من ساحات القرى إلى «الشتات»: هل يمزّق النزوح النسيج الاجتماعي؟( الأخبار 25 أيار)

حين تُمحى قرى من الوجود، لا يقتصر ما يعيشه أهلها على تجربة نزوح قاسية، بل يدخلون مرحلة أكثر تعقيداً: اختبار العلاقات نفسها. فالمجتمع، في جوهره، ليس مجرّد تجمّع أفراد، بل شبكة دقيقة من الروابط اليومية والتاريخ المُشترك. وعندما يتبعثر هذا المجتمع في أماكن متباعدة، لا ينكسر دفعة واحدة، بل يبدأ بالتغيّر تدريجياً، بصمت، تحت وطأة الزمن والمسافة.
بين تجربة فردية مؤلمة ومسار جماعي ملتبس، يجد مجتمع كامل نفسه مضطراً إلى إعادة تعريف ذاته، من دون أن يكون قد اختار ذلك. وفي حالة القرى المُهدّمة، لا يبدأ التفكّك من لحظة الرحيل، بل من الكيفية التي يحدث بها.
تاريخياً، كانت الجماعات النازحة تتحرّك كوحدة واحدة، تنتقل إلى مكان جديد حاملة نسيجها الاجتماعي معها، ولو إلى جغرافيا جديدة. أمّا اليوم، فتبدو الصورة مختلفة جذرياً، إذ إنّ «ما نشهده هو نزوح مُشتّت وعشوائي، يوزّع أبناء القرية الواحدة على خرائط متباعدة، ويكسر أول شرط من شروط بقاء المجتمع: القرب»، بحسب مديرة كلية العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية الدكتورة تيريز سيف. وتوضح أن «آثار هذا التشتّت لا تظهر فوراً.
في علم الاجتماع، كان يُعتقد أن رصد التحوّلات في السلوك والهوية والعلاقات يحتاج إلى زمن طويل قد يمتد إلى عقد كامل. لكنّ هذا الإطار الزمني تقلّص اليوم بشكل ملحوظ. فستة أشهر قد تكون كافية لظهور مؤشرات أولية في ظل ظروف استثنائية، فيما تكفي سنتان أو ثلاث لتبلور ملامح تحوّل واضح. الزمن هنا يعمل بهدوء، يعيد تشكيل العلاقات ببطء، إلى أن يكتشف الناس أنهم باتوا شيئاً مختلفاً عمّا كانوا عليه».
في البدايات، تبقى الروابط مشدودة إلى الماضي. تعمل الذاكرة العاطفية للمكان كغراء غير مرئي: أسماء الشوارع، صور البيوت، الحكايات المشتركة. لكن مع مرور الوقت، يبدأ هذا الغراء بالترقّق. تفرض الحياة اليومية في أماكن النزوح إيقاعاً مختلفاً: عمل جديد، جيران جُدد، مدارس جديدة. عند هذه النقطة، كما تقول سيف: «لا تكفي المبادرات الفردية للحفاظ على تماسك الجماعة. صحيح أن إرادة الناس قوية، لكنّ العوامل المحيطة أقوى.
ومن دون دور فعلي للدولة، يتجاوز الإيواء والمساعدات إلى سياسات تحافظ على الترابط، وبمساهمة المؤسسات الدينية والاجتماعية، يصبح التفكّك احتمالاً جدّياً». وهو ما تؤكده سوابق في لبنان. فـ«بعد حرب الجبل، لم يعد كثيرون إلى قراهم، بل أسّسوا حياة جديدة في أماكن أخرى، ومع الوقت انقطع الرابط بين الأجيال اللاحقة وأصولها. ولم يعد المكان جزءاً من الهوية اليومية، بل تحوّل إلى ذكرى بعيدة تتآكل مع الزمن. هكذا، لا تضيع القرية وحدها، بل يتلاشى المجتمع الذي كان يشكّلها».
ولا يكمن الخطر الأعمق فقط في ضياع الروابط، بل في تحوّلها. فالإنسان، كما تشرح سيف، كائن مُتغيّر بطبيعته: «مع كل عشر سنوات، يفقد جزءاً من ثقافته ويعيد تشكيل نفسه بما تبقّى. يتأثّر بعاداته الجديدة، يطوّر سلوكيات لم يكن يعرفها، يقبل أشياء كان يرفضها، ويرفض ما لم يكن يراه مشكلة. بعضهم يتكيّف بسرعة، وهذا جزء من الشخصية اللبنانية، فيما ينغلق آخرون، مدفوعين بشعور بأن العالم الذي يعرفونه يتفلّت من بين أيديهم. في الحالتين، النتيجة واحدة: تحوّل عميق في الهوية».
هذا التحوّل لا يحدث في الفراغ. فالنزوح لا يوزّع الناس جغرافياً فحسب، بل يعيد ترتيبهم اجتماعياً أيضاً. ومع مرور الوقت، تبدأ فروقات طبقية جديدة بالظهور، كما حصل في لبنان بعد الحرب: «أغنياء جُدد، أنماط حياة متباينة، وفجوات تتّسع داخل المجتمع الواحد. وعند لحظة العودة، إن تحقّقت، لا يعود الناس كما كانوا. يعودون مُحمّلين بتجارب مختلفة، وقد تتحوّل القرية نفسها إلى مساحة تلاقٍ بين طبقات لم تكن موجودة سابقاً».
في أقصى هذا المسار، يبرز احتمال قاسٍ: أن يتحوّل أهل القرية إلى أفراد متفرّقين، وأن يذوب المجتمع في مجموعات صغيرة، يبني كلٌّ منهم حياته بمعزل عن الآخر. «مجتمع يبدأ من جديد»، كما تقول سيف: «لكن من دون ضمانة بأن يحتفظ بشكله الأول».
مع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد بهذه الصورة وحدها. يلفت الدكتور فداء بو حيدر، المحاضر في علم الاجتماع السياسي والتنموي في معهد العلوم الاجتماعية، إلى أن المجتمع، في جوهره، لا يقوم من دون أرض. «المجتمع هو أرض وشعب وتفاعل»، مشيراً إلى أن خطورة النزوح تكمن في ضرب هذا الترابط. لكنه، في المقابل، يضيء على مؤشرات صمود لافتة. يروي قصة أستاذ من بنت جبيل: «في منتصف السبعينيات من عمره، اضطر إلى مغادرة بلدته 16 مرة وشهد تدميرها أربع مرات. ومع ذلك، لم تنقطع علاقته بها». ليست هذه مجرّد حكاية فردية، بل تعبير عن نمط أوسع: مجتمع يختبر الانقطاع مراراً، لكنه يرفض أن يتحوّل هذا الانقطاع إلى قطيعة نهائية».
تقدّم التجربة الفلسطينية مثالاً آخر على هذا النمط من الصمود، وفق ما يشير بو حيدر: «رغم عقود من النزوح، لم تختفِ الذاكرة ولم تتفكّك القضية. المفاتيح ما زالت محفوظة، لا كرمز مادي فحسب، بل كدليل على أن الرابط مع المكان يمكن أن يستمر حتى في غيابه. هذا لا يلغي التحوّل، لكنه يمنع الذوبان الكامل».
في الحالة اللبنانية، يبدو النزوح ذا وجهين متلازمين: تفكيك قسري من جهة، واحتكاك اجتماعي قد يفتح مسارات جديدة من جهة أخرى. يلفت بو حيدر إلى أن «الاختلاط بين المجتمعات المختلفة، رغم كل الحساسيات، أعاد تأكيد ما هو معروف أنثروبولوجياً عن اللبنانيين لجهة القواسم المشتركة: في الشكل، في الطعام، في الأمثال، في الرقص، وفي الثقافة الشعبية». هذا الاحتكاك، برأيه، ساهم في تخفيف الصور النمطية وإعادة تعريف العلاقة بين المجموعات. حتى على مستوى العلاقات الشخصية، بدأت تظهر نماذج زواج مختلط كانت أقل حضوراً في السابق.
غير أن هذا الاختلاط يحمل مفارقة واضحة: فهو يسهّل التكيّف، لكنه قد يسرّع في الوقت نفسه ذوبان الخصوصيات. وهنا يعود السؤال الأول: كيف يمكن الحفاظ على مجتمع من دون مكان؟ وكيف يُصان النسيج الاجتماعي وهو موزّع على جغرافيات متباعدة؟
الإجابة، بحسب سيف، لا يمكن أن تكون عفوية أو فردية. فالحفاظ على الروابط يحتاج إلى تخطيط واستراتيجية واضحة. وتبدأ الخطوة الأولى بـ«مسح شامل لكل الأسر: من هم، أين يقيمون، وكيف يعيشون. هذه ليست مجرّد عملية إحصاء، بل خريطة بشرية تُبنى عليها سياسات لإعادة الربط: جمع الناس في شبكات، تنظيم لقاءات، دعم مبادرات مشتركة، والحفاظ على الذاكرة كعنصر جامع».
بالتوازي، يبقى المكان عاملاً حاسماً. فالتغيّر العمراني والهندسي سينعكس مباشرة على الناس أنفسهم. «كما حدث في بيروت بعد الحرب، حيث شعر كثيرون بغربة في مدينة كانوا يعرفونها»، تقول سيف. ومن هنا، يشدّد بو حيدر على أهمية إحياء الذاكرة بوصفها ضرورة، لا مجرّد حنين، للحدّ من هذا الانقطاع وإعادة وصل ما انكسر.



