خمسة أسباب تجعل “موديز” تثق بملف السعودية الائتماني رغم إغلاق هرمز

في مناخ إقليمي بالغ الهشاشة يفرضه إغلاق مضيق هرمز منذ آذار/مارس الماضي، أبقت وكالة “موديز” على تصنيفها الائتماني للمملكة العربية السعودية عند Aa3 مع نظرة مستقبلية مستقرة. القرار ليس منحةً تلقائية، بل هو حصيلة موازنة دقيقة بين نقاط قوة هيكلية راسخة ومخاطر متصاعدة في آنٍ واحد.
أولاً: الهيدروكربونات — قوة وعبء في وقت واحد
تنطلق “موديز” في تقييمها من حقيقة بنيوية: المملكة تمتلك واحدةً من أضخم الاحتياطيات النفطية في العالم وأدنى تكاليف الإنتاج، ما يمنحها ميزةً تنافسية لا تُضاهَى في أسواق الطاقة العالمية. لكن هذه التبعية للنفط تظل نقطة ضعف هيكلية تُعرّض المالية العامة لتقلّبات الأسعار وتُبقي الاقتصاد منكشفاً على مخاطر التحوّل الكربوني على المدى البعيد، وفق ما أوضحت الوكالة في بيانها الصادر عن فرانكفورت بتاريخ 22 أيار/مايو 2026.
غير أن المعادلة في عام 2026 انقلبت مؤقتاً لصالح المملكة: مع إغلاق المضيق، قفزت أسعار النفط إلى نطاق يتراوح بين 90 و110 دولارات للبرميل بحسب التوقعات المركزية للوكالة، وهو مستوى يُعوّض ما فقدته المملكة من حجم صادرات ويجعل الإيرادات الحكومية تتجاوز توقعات ما قبل الأزمة، ما يمنح الحكومة مرونةً في زيادة الإنفاق على دعم الاقتصاد والدفاع.
ثانياً: خط الأنابيب الشرقي-الغربي — العمود الفقري للصمود
في قلب قرار “موديز” يقع رهانٌ على بنية تحتية بعينها: خط الأنابيب الممتد من حقول المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر. يضخّ هذا الخط حالياً سبعة ملايين برميل يومياً، فيما تستوعب محطات التصدير على البحر الأحمر ما يصل إلى خمسة ملايين برميل يومياً، ما يعادل ثلثَي مستويات التصدير السابقة للنزاع، وفق البيان.
هذه القدرة اللوجستية هي ما يُفسّر الإبقاء على التصنيف رغم الانكماش الاقتصادي المتوقع بنحو 1.7% في 2026، الذي يعكس هبوطاً في الإنتاج الهيدروكربوني بنسبة 10% وتراجعاً في النشاط غير النفطي جراء ضعف ثقة المستثمرين وارتفاع التكاليف. غير أن الوكالة تُحذّر من أن سيناريو يفترض عدم وقوع أضرار إضافية جسيمة في البنية التحتية النفطية، وهو افتراض يحمل في طياته هشاشةً واضحة.
ثالثاً: المالية العامة — انضباط مُختبَر
ترسم “موديز” صورةً لمالية عامة محافِظة بمعايير المنطقة. سجّلت الموازنة عجزاً بلغ 2.5% من الناتج المحلي في 2024، فيما تُقدّر الوكالة الأصول المالية الحكومية بنحو 18% من الناتج المحلي لعام 2025، واصفةً إياها بأنها تُعزّز قدرة الحكومة على امتصاص الصدمات. وعلى صعيد الدين، تتوقع الوكالة أن يبلغ نحو 32% من الناتج المحلي في 2026، ليرتفع تدريجياً نحو 40% على المدى المتوسط، وهو مستوى تعدّه متوافقاً مع الدول المُصنَّفة في الفئة ذاتها.
الأهم من ذلك هو تحوّل بنية الإيرادات: الإيرادات غير الهيدروكربونية ارتفعت من 36% من إجمالي الإيرادات عام 2016 إلى نحو 45% عام 2025، مدفوعةً بضريبة القيمة المضافة البالغة 15% ذات النطاق الواسع. هذا التحوّل يعني أن الموازنة باتت أقل انكشافاً على دورات أسعار النفط مما كانت عليه في الانهيارات السابقة، وإن أقرّت الوكالة بأن هذه التبعية ستتراجع دون أن تختفي في المدى المنظور.
رابعاً: رؤية 2030 — زخم حقيقي في مواجهة اختبار صعب
لا تُقيّم “موديز” رؤية 2030 بوصفها خطاباً سياسياً، بل تتتبّع مؤشراتها الميدانية. وتجد الوكالة أدلةً كافية على تقدّم فعلي: مشاريع صندوق الاستثمارات العامة (PIF) تدخل مراحل التشغيل في قطاعات الضيافة والترفيه والتجزئة والمطاعم، دافعةً الطلب وخلق فرص العمل. وقد استثمر الصندوق نحو 200 مليار دولار داخلياً بين 2021 و2025، ما يعادل 16% من الناتج المحلي الاسمي لعام 2025، في إطار خطة استراتيجية جديدة تمتد حتى 2030.
وتتوقع الوكالة أن يعود نمو الناتج المحلي الخاص غير الهيدروكربوني إلى مستويات 4-5% بعد انحسار النزاع، وهي من بين الأعلى خليجياً. لكنها تُبدي تحفّظاً واضحاً: استمرار التوترات الجيوسياسية قد يُبطئ أجزاء من أجندة التنويع، ويُحدّ من التحوّل نحو قيادة القطاع الخاص الذي تراه الوكالة شرطاً أساسياً لأي ترقية مستقبلية.
خامساً: ما الذي قد يُغيّر المعادلة؟
رسمت “موديز” خارطة طريق شفافة لمسارَي الترقية والتخفيض. على جهة التحسّن، تشترط الوكالة صراحةً تراجعاً “دائماً وذا مصداقية” في المخاطر الجيوسياسية الإقليمية شرطاً مسبقاً لأي رفع للتصنيف، إلى جانب دليل ملموس على تسريع وتيرة التنويع بقيادة القطاع الخاص. أما على جهة التدهور، فتُحدّد ثلاثة مخاطر رئيسية: تصعيد عسكري يضرب البنية التحتية النفطية الاستراتيجية، وتراجع عن الانضباط المالي يتجلّى في رفع العجز الأولي غير الهيدروكربوني بصورة دائمة، وهبوط حاد ومطوّل في أسعار النفط يتخطى مستوى السيناريو المحوري للوكالة.
خمسة أرقام تختصر الصورة:
1. Aa3: التصنيف المُثبَّت، الرابع في سلّم “موديز”، يعكس جودة ائتمانية عالية ومخاطر منخفضة جداً، وقد مُنح للمملكة للمرة الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر 2024
2. 90-110 دولارات للبرميل: نطاق سعر النفط في السيناريو المحوري للوكالة لعام 2026، العامل الحاسم في حماية الإيرادات الحكومية
3. -1.7% :انكماش في الناتج المحلي عام 2026، مقابل انتعاش حاد بنحو 8% في 2027
4. 32% ثم 40%: مسار الدين الحكومي كنسبة من الناتج المحلي: المتوقع عام 2026 ثم على المدى المتوسط
5. 45%: حصة الإيرادات غير النفطية من الإجمالي عام 2025، ارتفاعاً من 36% عام 2016، المؤشر الأكثر دلالةً على نجاعة مسار التنويع



