أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

خطّ طرابلس – العبودية على سكّة التنفيذ (نداء الوطن 23 أيار)

لم يعد حلم سماع صافرة القطار، مجرّد ذكرى من الماضي، رغم ركام الحرب وركود متوقّع للإقتصاد بنسبة 10%. شيئًا فشيئًا، يقترب هذا الحلم من الواقع، لينقل البلاد من حنين الأمس إلى أفق واعد في عالم الشحن. مع توقيع وزير النقل الأسبوع الماضي وثائق مناقصة مشروع خطّ سكك الحديد من طرابلس إلى العبودية على الحدود اللبنانية–السورية، لم تعد السكك مجرد آثار مهجورة. فهل تنطلق عجلة القطار فعليًا هذه المرّة، أم يبقى المشروع عالقًا بين الوعود والواقع؟

من مرافق الدولة إلى الحدود الشمالية للبنان، سيُنفض الغبار عن سكك الحديد وتُنزع عنها التعدّيات القليلة لتنبض بالحياة، حاملةً البضائع أولًا، وممهّدة الطريق لعودة قطارات الركاب لاحقًا.

منذ نحو 3 أشهر، وقّعت مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك بروتوكول التعاون مع مصلحة استثمار مرفأ طرابلس برعاية وزير الأشعال في مصلحة سكك الحديد في مرفأ طرابلس لاعداد دراسة جدوى شاملة إقتصادية وبيئية ومالية للخط الذي يربط مرفأ طرابلس بالعبودية، ستشكّل أساساً علمياً واقتصاديا لاتخاذ القرار المناسب في شأن المراحل اللاحقة.

وقتها لم يؤخذ المشروع على محمل الجدّ إلا أنه منذ 8 أيام، وقّع وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني في مرفأ طرابلس على وثائق المناقصة الخاصة بمشروع تحديث وتصميم خطّ سكك الحديد الممتدّ من طرابلس الى منطقة العبودية على الحدود اللبنانية-السورية، معلناً الإطلاق الرسمي للمناقصة الخاصة بالمشروع . فماذا تتضمّن تلك المناقصة؟

صيغة الـPPP

أوضح رئيس مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، زياد شيّا، لـ”نداء الوطن”، أنّه خلال الأشهر الثلاثة التي تلت توقيع الاتفاقية الأولى، تمّ إعداد دفتر الشروط الخاص بالمناقصة، والذي يقع في نحو 150 صفحة، ويتضمّن تحديد نطاق الدراسة المطلوبة لمسار الخط من مرفأ طرابلس إلى العبودية، وفق معايير وشروط واضحة. وأضاف أنّ الإطار العام لدفتر الشروط يركّز على طبيعة الشراكة المرتقبة بين القطاعين العام والخاص، والتي يُرجّح أن تكون بصيغة PPP (الشراكة بين القطاعين العام والخاص)، إذ يتقاسم الطرفان التمويل والتنفيذ والتشغيل، بدلًا من صيغة BOT (بناء–تشغيل–نقل ملكية) التي يتولّى فيها المستثمر تنفيذ المشروع وتشغيله لفترة محدّدة قبل إعادته إلى الدولة.

إذاً، رُسمت الخطوط العامة التي على أساسها ستعدّ الدراسة، بينها تحديد شروط النقل لكل أنواع البضائع مع الأخذ بالإعتبار موضوع استخراج الغاز والبترول في المستقبل.كما سيتضمّن دفتر الشروط الموجّه إلى الاستشاري المُكلّف إعداد الدراسة، وصلتين إضافيتين: الأولى تمتد إلى مطار رينيه معوّض – القليعات، والثانية إلى المنطقة الاقتصادية في طرابلس، إلى جانب تحديد المواصفات الفنية المطلوبة لكل منهما. وسيتمّ التركيز على أهمية التنسيق مع الجانب السوري لتفادي أي فراغ لوجستي في حال وصول خط السكك الحديدية إلى العبودية، على أن يُعالج هذا الفراغ عبر استكمال الشبكة السككية من الجهة السورية أيضًا.

وشدّد شيّا على “أهمية أن يكون المشروع مترابطًا إقليميًا، لافتًا إلى أنّ العمل الجاد في هذا الإطار يمتد من السعودية إلى الأردن وصولًا إلى حمص في سوريا، ومنها إلى تركيا وإسطنبول فإلى أوروبا. وبهذا المعنى، يسعى لبنان إلى أن يكون جزءًا من هذا الحراك ومن شبكات الإمداد الإقليمية التي تتشكّل في المنطقة.”

القطار للشحن فقط؟

في المرحلة الأولى، سيخصّص خطّ القطار لشحن البضائع على أن يشمل خطّا للركاب في مرحلة لاحقة ليُستتبع بالوصلة على مطار القليعات وأخرى على المنطقة الإقتصادية في طرابلس.

وفي ما يتعلّق بتمويل الدراسة، أوضح شيّا أنّه “سيكون على عاتق مرفأ طرابلس باعتباره المستفيد الأساسي من المشروع، إذ سيصبح نقطة ربط لوجستية أساسية، إذ ستتمكّن البواخر التي ترسو فيه وتفرغ حمولتها من نقل البضائع إلى العمق السوري في إطار مرحلة إعادة الإعمار، على أن تمتد الحركة التجارية لاحقًا نحو السعودية والأردن وتركيا.

ولا يقتصر الأمر على الترانزيت، بل يشمل تصدير السلع اللبنانية، سواء الصناعية أو الزراعية، مع إمكان استشراف مستقبل واعد لقطاع الطاقة في حال اكتشاف النفط والغاز في لبنان. وفي هذا السياق، تبرز أهمية استراتيجية النقل السككي، إذ تُظهر الدراسات الأولية أن النقل بالقطار يمكن أن يخفّض كلفة النقل بنسبة تتراوح بين 70 و80% مقارنة بالشحن عبر الشاحنات والمركبات.”

وكشف شيّا أنّ عملية فضّ العروض ستجري في 18 حزيران، على أن تتولى الشركة الاستشارية الفائزة إعداد الدراسة وإنجازها خلال مدة أقصاها ستة أشهر، ليُصار بعدها إلى الانتقال إلى مرحلة التلزيم للشركة المنفّذة للمشروع.

أما في ما يخصّ كلفة خط السكك الحديدية، فأوضح أنّها ستتحدد بنتائج الدراسة، على أن يُنفّذ المشروع بالشراكة مع القطاع الخاص، وتحديدًا عبر شركات عالمية تُختار من خلال مناقصة، بحيث يُعتمد العرض الأقل كلفة والأكثر كفاءة.

أضاف أنّ مرجعية المشروع ستكون مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك بصفتها مؤسسة عامة، حيث تتولى الإشراف على التنفيذ والتشغيل عبر لجنة متابعة خاصة، فيما تحصل على حصة من الأرباح. ومن المتوقع أن يمتدّ هذا النموذج التشغيلي، القائم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، لفترة تتراوح بين 10 و15 عامًا، وفق ما ستحدده الدراسة.

وخلال هذه الفترة، تتولى الشركة الخاصة تنفيذ المشروع وتشغيله وإدارته، على أن تعود البنية التحتية لاحقًا إلى الدولة ممثّلة بالمصلحة بعد انقضاء المدة المحددة. أما في ما يتعلّق بالاستملاكات على مسار سكك الحديد، فأكّد شيّا أنّها “موجودة وأن التعديات عليها محدودة جدًا، لا سيّما على خط العبودية – طرابلس”، مشيرًا إلى أنّ حديد خط طرابلس ما زالت موجودة ومخزّنة في مرفأ طرابلس.

مسارات أخرى

في مرحلة لاحقة، وفي حال إنجاز المشروع واسقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في البلاد، من المتوقّع أن يمتدّ الخط ليشمل مسارات أخرى لا تزال قيد الدراسة ولم تنضج بعد. وفي هذا السياق، يشير شيّا إلى “حراك قائم بين مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك ومجلس الإنماء والإعمار والمرفأ لبحث الإمكانيات المتاحة لإنشاء خطوط إضافية.

وبذلك، يُشكّل مشروع خط سكك الحديد طرابلس – العبودية، الممتد على نحو 35 كلم من مرفأ طرابلس إلى الحدود اللبنانية – السورية بعمق 5 كلم داخل الأراضي السورية، نواة لشبكة نقل حديثة على غرار الأنظمة المعتمدة في العديد من دول العالم.

 

 

بواسطة
باتريسيا جلاد
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى