هنا الضاحية الجنوبية: الحياة مستمرّة (الأخبار 23 أيار)

في أحد شوارع حيّ السلم، يقف أبو علي أمام متجره للأدوات الكهربائية الذي أعاد افتتاحه بعد أشهر من الإقفال القسري. يشير إلى الرفوف التي امتلأت تدريجياً بالبضائع ويقول: «المسألة ليست تجارة فقط. حين أفتح المحل أشعر أن الحيّ عاد حيّاً». الرجل الذي خسر جزءاً كبيراً من بضاعته، يصرّ على «المقاومة مهما اشتدّت الظروف».
وفي الغبيري، قرّرت هبة مع شقيقتها إعادة افتتاح محل والدهما لبيع الخُضر، بدلاً من انتظار فرصة عمل تقليدية. «عدنا إلى منزلنا في الغبيري فور إعلان وقف إطلاق النار»، تقول: «على الرغم من أننا لا نثق بالعدو، وندرك أن احتمال خرق الهدنة قائم في أي لحظة، إلا أن هناك حياة يجب أن تستمر».
في مقابل صورة التحدّي هذه، لا يغيب الخوف عن وجوه كثير من العائلات العائدة إلى الضاحية الجنوبية. «الحرب في الجنوب، وأصوات المُسيّرات التي لا تفارق الضاحية، تنذر بإمكانية عودة الحرب، ولكن لا شيء يجعل من هذا الخوف حجة للاستسلام»، يقول أبو أحمد، بينما يرتّب بضائعه في محل صغير لبيع المستلزمات المنزلية في منطقة الكفاءات.
وفي برج البراجنة، أعاد محمد تشغيل معمله الصغير للخياطة بعد أشهر من التوقف. الرجل الذي كان يفكر جدياً بالهجرة، يقول إن شعوره بأن «البلد بحاجة إلينا كي نبقى ونقاوم» غيّر قراره. ويضيف: «حين تشعر أن الناس لا يزالون يؤمنون بهذه المنطقة، يصبح من الصعب أن تتركها». واليوم، يشغّل محمد عدداً من الموظفين الذين فقدوا أعمالهم خلال الحرب على لبنان.
القصص في الضاحية الجنوبية لم تعد مجرّد حكايات فردية عن خسائر الحرب، بل تحوّلت إلى مشهد يومي لمحاولة استعادة الحياة. ففي الشوارع التي يعود سكانها تدريجياً، تُرفع أبواب المحالّ التجارية باكراً، ويقف أصحاب المؤسسات الصغيرة أمام متاجرهم كأنهم يعلنون انتصاراً شخصياً على الخوف والعدو معاً. هنا، لا يبدو المشهد محصوراً بإزالة الركام أو ترميم الواجهات المتصدّعة، بل بمحاولة جماعية لاستعادة الدورة الاقتصادية والاجتماعية، وتحويل الصمود من شعار سياسي إلى ممارسة يومية.
المشهد في أسواق الضاحية يعكس بدوره تحوّلاً نفسياً لا يقلّ أهمية عن التحوّل الاقتصادي. فالإقبال على إعادة فتح المتاجر، ولو بإمكانات متواضعة، يحمل رسالة واضحة بأن الضاحية لا تريد أن تُختزل بصورة الدمار أو الأزمة فقط. حتى المقاهي الصغيرة التي أعادت ترتيب كراسيها على الأرصفة، تبدو كأنها تعلن عودة الحياة العامة إلى الشارع.
ومع ذلك، لا تبدو الطريق سهلة. فأصحاب المؤسسات يشكون من ارتفاع كلفة التشغيل، وانقطاع الكهرباء، وصعوبة تأمين المواد الأولية، إضافة إلى تراجع القدرة الشرائية لدى السكان. لكنّ كثيرين يعتبرون أن مجرد الاستمرار في العمل هو شكل من أشكال المقاومة اليومية.
اللافت للنظر أيضاً أن عدداً من المبادرات الجديدة يعتمد على فكرة «التضامن الاقتصادي الداخلي». بعض العائلات باتت تفضّل شراء المُنتجات المصنّعة داخل الضاحية دعماً لأصحابها. تقول رهف: «الضاحية هي أمّ الدنيا. بالنسبة إليّ وإلى عائلتي، لا نشتري حاجاتنا إلا منها، فالناس أهلنا، ومن واجبنا أن ندعمهم».
بالنسبة إلى صاحب متجر للورود فالافتتاح اليوم ليس لأجل البيع فقط، بل لتوزيع الورود مجاناً أثناء تشييع الشهداء. ومن جهته، يؤكد أبو حسن، صاحب أحد المحالّ في منطقة الليلكي، أن الطلبات الإلكترونية بدأت تتزايد بعد معرفة الناس بأنه أعاد فتح متجره مع زوجته في الضاحية، قائلاً: «صاروا يطلبون أونلاين من مناطق عدة خارج الضاحية». أبو حسن، وهو شقيق أحد الشهداء في العدوان الأخير على لبنان، يؤكد أن الهدف من إعادة فتح المتجر في ظل الظروف الراهنة ليس مادياً فقط، بل هو «معركة صمود في وجه عدو يريد لنا أن نضعف، فالمقاومة لها أشكال متعدّدة، وأحدها المقاومة الاقتصادية».
كذلك يشير صاحب أحد محالّ بيع وصيانة الهواتف إلى أنه أعاد افتتاح فرعه في الضاحية الجنوبية، ونقل إليه كامل البضائع، بعدما كان قد استأجر متجراً خارجها خلال الحرب، بهدف التأكيد «أننا شعب يحب أرضه ولا يتخلّى عنها مهما كانت الخسائر».
وسط كل ذلك، تبدو الضاحية وكأنها تعيد تعريف نفسها. فهي ليست مجرّد منطقة مكتظّة بالسكان، أو مساحة مرتبطة بالأزمات الأمنية والسياسية، بل بيئة اجتماعية تحاول إنتاج نموذجها الاقتصادي الخاص، مستندة إلى شبكات التضامن الأهلي وروح المبادرة الفردية.



