خاص – اضحت أمام المنعطف الأكثر خطورة .. كيف اثّرت الحرب على قضية استعادة أموال المودعين؟

تتواصل الحرب على لبنان في شهرها الثالث، ولا تزال الخسائر تتعمق، في وقت يعيش فيه البلد شبه جمود وتعثر اقتصادي. كيف سينعكس هذا الواقع على قضية الودائع وردّ أموال المودعين، لا سيما في ظل استنزاف احتياطي مصرف لبنان؟
وفقاً للكاتب في الاقتصاد السياسي د. بيار الخوري “تفرض الحرب الدائرة في لبنان ضغوطاً هائلة على الهيكل المالي المتآكل أصلاً مما يجعل قضية استعادة أموال المودعين أمام منعطف هو الأكثر خطورة منذ بداية الأزمة المالية حيث أدى دخول النزاع شهره الثالث في عام 2026 إلى تحول الأولويات الرسمية نحو إدارة اقتصاد الطوارئ وتأمين الاحتياجات الأساسية بدلاً من البحث عن خطط جدية للتعافي المالي. ويتجلى هذا الواقع في انكماش حاد للناتج المحلي الإجمالي بنسب تتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر بالمئة وفق تقديرات المؤسسات الدولية لهذا العام مما يقضي على فرص نمو أي صناديق سيادية أو استثمارية كان من المفترض أن تساهم في رد الودائع على المدى الطويل”.

واعتبر الخوري، في حديث لموقعنا Leb Economy، ان استنزاف احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية التهديد المباشر والأكبر لما تبقى من آمال المودعين خاصة بعد أن سجلت الاحتياطيات انخفاضاً قدره خمسمائة مليون دولار لتصل إلى مستوى عشرة مليارات ونصف المليار دولار بعد أن كانت مستقرة عند حدود أحد عشر مليار دولار قبل اندلاع شرارة حرب ألفين وستة وعشرين”.
واكد على انه “مع تراجع الإيرادات الضريبية والجمركية للدولة بنسبة تزيد عن ستين بالمئة يجد المصرف المركزي نفسه مضطراً لاستخدام هذه السيولة المتناقصة لتمويل العمليات الحكومية الاضطرارية وتثبيت الاستقرار النقدي مما يقلص الكتلة النقدية التي كان من المفترض أن تكون حجر الزاوية في أي عملية تدريجية لرد الحقوق ضمن خطط التعافي”.
واشار الخوري الى ان ” الجمود الاقتصادي والتعثر في القطاعات الإنتاجية يؤدي إلى استحالة قيام المصارف التجارية بتوليد أرباح تساهم في إعادة تكوين رساميلها وهو شرط أساسي لعودة الانتظام للعمل المصرفي الذي يعاني من فجوة مالية تجاوزت خمسة وسبعين مليار دولار”. ولفت الى ان ” الحرب الحالية في عام 2026 قضت أيضاً على فرص جذب استثمارات خارجية أو الحصول على حزمة الثلاثة مليارات دولار الموعودة من صندوق النقد الدولي مما يجعل فجوة الخسائر في القطاع المالي تتسع بدلاً من أن تتقلص ويحرم المودعين من أي سيولة جديدة كانت ستنعش حساباتهم المتعثرة”.
وقال الخوري: “توقفت المصارف اللبنانية عن ممارسة دورها الطبيعي في الإقراض إلا في حدود ضيقة جداً ومحصورة بآليات نقدية محددة منذ انهيار عام ألفين وتسعة عشر مما عطل الدورة الاقتصادية وجعل من الصعب على القطاع الخاص النهوض والمساهمة في سد الفجوة المالية. هذا الغياب التام لعمليات التسليف المصرفي يفاقم من حدة الركود الناتج عن النزاع الحالي ويجعل المصارف مجرد صناديق لتوزيع السيولة المقننة بدلاً من كونها محركات للنمو وهو ما يضعف أي أمل في استعادة الودائع عبر نشاط مصرفي تقليدي أو من خلال فوائد القروض المحصلة في المدى المنظور”.
واكد ان “العمليات العسكرية المستمرة لثلاثة أشهر تسببت في أضرار مباشرة للبنية التحتية قُدرت قيمتها بمليارات الدولارات مما يضع الدولة أمام معضلة أخلاقية ومالية تتمثل في توجيه أي تدفقات مالية مستقبلية نحو إعادة الإعمار بدلاً من الوفاء بإلتزاماتها تجاه المودعين”.
واعتبر الخوري انه “في ظل هذا المشهد يصبح الحديث عن جداول زمنية لرد الأموال مجرد شعارات تصطدم بواقع نضوب الموارد وارتفاع تكلفة الحرب الباهظة حيث أن كلفة الاستنزاف الشهري البالغة مئات الملايين من الدولارات من الاحتياطي تعادل تقريباً قيمة المبالغ التي كان يمكن دفعها لعشرات الآلاف من صغار المودعين لسنوات طويلة”.
واكد “إن تحول لبنان إلى اقتصاد نقدي كاش بات يمثل أكثر من خمسين بالمئة من الحركة المالية الإجمالية يعمق من تهميش دور المصارف ويجعل من عملية استعادة الودائع مسألة قانونية وسياسية معقدة تتجاوز القدرة المالية للدولة”، لافتاً الى انه “مع استمرار نزيف الاحتياطيات في عام 2026 تزداد الضغوط على العملة الوطنية مما قد يدفع نحو موجات تضخم جديدة تلتهم القيمة الشرائية لما يتم صرفه للمودعين عبر التعاميم الاستثنائية مثل التعميم 158 و166 والتي أصبحت هي الأخرى مهددة بتقليص سقوفها نتيجة تناقص السيولة الجاهزة لدى المركزي”.
وكشف عن ان “حالة عدم اليقين الأمني وتوسع الدمار تؤدي إلى تآكل قيمة الأصول والضمانات العقارية التي تملكها المصارف والتي كانت تُشكل جزءاً من موجوداتها لمقابلة طلبات المودعين مما يضعف المركز المالي للقطاع برمته ويجعل استرداد الحقوق عملية مرتبطة حصراً بتسوية شاملة تعيد بناء الدولة”.
وشدد الخوري على إن الربط بين الواقع الميداني وتناقص الاحتياطيات بنحو 500 مليون دولار خلال شهرين فقط يؤكد أن كل يوم إضافي من الحرب يرفع كلفة التعافي المالي ويزيد من صعوبة استرداد الودائع مما يتطلب رؤية اقتصادية طارئة تحمي ما تبقى من أصول نقدية قبل نضوبها الكامل.



