أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

الكهرباء عبر سوريا: العقدة انتقلت من العقوبات إلى التمويل( الأخبار 11 أيار)

عاد إلى الواجهة ملف استجرار الكهرباء والغاز من مصر والأردن عبر سوريا، باختلاف يتعلق بالعقدة التي منعت إنجازه. كانت العقوبات الأميركية عبر قانون قيصر تمنع لبنان من توقيع اتفاق مع مصر والأردن والبنك الدولي للحصول على ما يريده، إلا أنه بزوال العقوبات، أصبحت العقدة محصورة بالتمويل، وبقدرة لبنان على تسديد الثمن.

بمعنى آخر، كانت المشكلة سياسية ــ قانونية لا يمكن معالجتها من دون استثناء أميركي للدول والمنظمات المنخرطة في الاتفاق، واليوم أصبحت العقدة مرتبطة بالعلاقات السياسية والاقتصادية مع سوريا وبقدرة لبنان على تمويل الاتفاق. من سيموّل استيراد الكهرباء والغاز، وصيانة الشبكة وخطوط النقل؟ هل تستطيع مؤسسة كهرباء لبنان تغطية الكلفة من إيراداتها، هل سيقترض لبنان من البنك الدولي من أجل الحصول على التمويل؟ إذاً، الفرصة متاحة أمام لبنان لإعادة تفعيل مشروع قديم عُطّلت ترتيباته الأساسية بفعل الربط بين العقوبات وشروط التمويل.

جوهر الخطة السابقة كان يقوم على مسارين متوازيين؛ الأول استجرار 250 ميغاواط من الكهرباء الأردنية عبر الشبكة السورية، بما يضيف نحو ساعتين من التغذية يومياً إلى الشبكة اللبنانية. والثاني استيراد الغاز المصري عبر خط الغاز العربي، مروراً بالأردن وسوريا وصولاً إلى شمال لبنان، لتشغيل معملي دير عمار والزهراني، بما يوفّر نظرياً نحو 900 ميغاواط إضافية، أي ما يعادل 8 ساعات تغذية. وبذلك، يمكن للمسارين معاً أن يرفعا التغذية بنحو 10 ساعات يومياً، وأن يخفّضا كلفة الإنتاج بصورة كبيرة مقارنة بالاعتماد الحالي على الفيول أو على مولدات الأحياء.

وبإزالة العقوبات عن سوريا انقضت العقدة الأساسية ما أتاح عقد اجتماع ثلاثي في عمّان، الأسبوع الماضي، ضمّ وزراء الطاقة في لبنان وسوريا والأردن، وخُصّص لبحث تفعيل الربط الكهربائي وتبادل الغاز بين الدول الثلاث. النقاش تركّز على إمكان نقل الكهرباء من الأردن إلى لبنان عبر الشبكة السورية، بالتوازي مع إعادة تفعيل مسار الغاز عبر خط الغاز العربي، بما يسمح باستخدام البنية التحتية الأردنية والسورية لإمداد لبنان بالطاقة أو تحسين إنتاج الكهرباء فيه. وأشار الجانب السوري إلى أن عدداً من خطوط الربط الكهربائي مع لبنان بات جاهزاً، علماً أن هذه الأعمال كان النظام السوري السابق قد قام بها عندما استثمر نحو 8 ملايين دولار لإجرائها. فيما تحدّث الأردن عن بلوغ الترتيبات الفنية والتعاقدية مراحل متقدمة.

ويعود المشروع إلى اتفاقات وُقّعت عامَي 2021 و2022 لاستيراد الكهرباء الأردنية والغاز المصري عبر سوريا. يومها ظلّ متعثّراً بسبب التمويل وشروط البنك الدولي، وحاجة البنى التحتية إلى التأهيل، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بالمرور عبر سوريا. لذلك، فإن ما جرى في عمّان أخيراً يعبّر عن إعادة تحريك سياسي وفنّي للملف أكثر مما يشكّل إعلاناً عن تشغيل قريب ونهائي. وحتى الآن، لم تُعلن كميات الكهرباء أو الغاز التي قد يحصل عليها لبنان، ولا موعد بدء الاستجرار، ولا الكلفة أو آلية التمويل، ما يُبقي المشروع في خانة المسار المفتوح على تفاوض إضافي لا في خانة الحلّ الفوري لأزمة الكهرباء.

وتأتي هذه النقطة تحديداً في صلب الاتفاقية الجديدة التي وُقّعت في القاهرة بين لبنان ومصر لتنفيذ أعمال إصلاح وإعادة تأهيل خطوط الغاز في لبنان، عبر قطاع البترول المصري ممثلاً بالشركة الفنية لخدمات تشغيل خطوط الغاز «TGS». فالاتفاقية، التي وقّعها وزير الطاقة والمياه جو الصدي ووزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، بحضور رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، تُعدّ أول خطوة عملية لإعادة تجهيز البنية اللبنانية اللازمة لاستقبال الغاز وتشغيل المعامل عليه.

وبحسب ما أُعلن بعد التوقيع، ستتولى الشركة المصرية تنفيذ أعمال الإصلاح والتأهيل لخطوط غاز بطول يقارب 30 كيلومتراً، إضافة إلى رفع كفاءة محطات التخفيض والقياس ومحطات الكهرباء المرتبطة بها، بما يشمل التركيبات الميكانيكية وتحديث أنظمة التحكم الآلي وأنظمة الإشراف وجمع البيانات، وإجراء الاختبارات الفنية والتشغيلية تمهيداً لإعادة تشغيل الخطوط. بهذا المعنى تنتقل خطة استجرار الغاز من مصر إلى مرحلة تجهيز البنية التحتية التي تسمح، لاحقاً، بنقل قطاع الكهرباء تدريجياً نحو الإنتاج عبر الغاز، بما يخفّف كلفة الإنتاج والأثر البيئي مقارنة بالفيول.

وتزداد أهمية هذه الفرصة اليوم لأن وضع مؤسسة كهرباء لبنان تغيّر مقارنة بالفترة التي طُرحت فيها الخطة للمرة الأولى. فبعد تعديل التعرفة ودولرتها وعودة الجباية، لم يعد التمويل الخارجي شرطاً مطلقاً لتغطية كلفة الاستيراد، علماً بأن الإيرادات الحالية لا تزال غير كافية لتغطية استيراد أكثر مما تنتجه المعامل اليوم من كهرباء. قد يصبح دور البنك الدولي، إن حصل، أقرب إلى تمويل صيانة خطوط النقل والبنية التحتية بدل تمويل شراء الطاقة نفسها. وهذا يعني أن الدولة قد تملك هامشاً أوسع للتحرّك من أموال الجباية، ربما لزيادة الإنتاج.

أما من ناحية الكلفة، فإن استيراد الكهرباء الأردنية يبقى أقل كلفة من بدائل كثيرة قائمة في السوق اللبنانية. فالاتفاق السابق ربط سعر الكيلوواط المستورد من الأردن بسعر خام برنت: 10 سنتات إذا كان سعر البرميل دون 50 دولاراً، و11.2 سنتاً إذا تراوح بين 50 و80 دولاراً، و16.2 سنتاً إذا تجاوز 80 دولاراً. وبما أن سعر النفط حالياً يتجاوز 100 دولار (أي يقع في الشطر الذي يفوق 80 دولاراً بحسب الاتفاق السابق)، فإن السعر المفترض للكهرباء الأردنية يكون في حدود 16.2 سنتاً للكيلوواط ساعة إذا بقيت الأسعار كما كانت في الاتفاق السابق، وهو أدنى من كلفة مولدات الأحياء التي تصل، وفق تسعيرات وزارة الطاقة، إلى نحو 42 سنتاً للكيلوواط ساعة.

كذلك، يتيح استيراد الغاز المصري خفض كلفة الإنتاج داخل المعامل اللبنانية نفسها. فالغاز الذي يُفترض أن يغذّي معملي دير عمار والزهراني يمكن أن يوفّر نحو 450 ميغاواط لكل معمل، وأن يقلّص كلفة الإنتاج إلى نحو النصف مقارنة باستخدام الفيول، بحسب أسعار الغاز والفيول. ففي عام 2021، قُدّرت كلفة إنتاج الكيلوواط ساعة عبر الغاز بنحو 7 سنتات، بحسب تصريح سابق لوزير الطاقة وليد فياض، تضاف إليها كلفة النقل والتوزيع والهدر، في مقابل كلفة إنتاج عبر الفيول كانت تراوح بين 18 و20 سنتاً للكيلوواط ساعة. لذلك، لا تكمن أهمية الخطة فقط في زيادة ساعات التغذية، بل أيضاً في تحسين كلفة الإنتاج وتخفيف العبء عن المستهلكين وعن مؤسسة كهرباء لبنان في آن واحد.

امتعاض من دمشق وسلام

رغم الأجواء الاحتفالية التي رافقت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام والوفد الوزاري إلى سوريا، كان لافتاً أن أحد أعضاء الوفد الرسمي عبّر عن «أجواء امتعاض» سادت بين الوزراء، بعد تكليف دمشق مدير العلاقات العربية في وزارة الخارجية باستقبال رئيس حكومة لبنان في المطار.

من جهة أخرى، شكا المصدر نفسه من أن الرئيس سلام كان غريباً في تصرّفاته، إذ منع نائبه طارق متري وبقية الوزراء من المشاركة في اجتماعه مع الرئيس السوري أحمد الشرع، رغم أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني حضر الاجتماع، فيما بقي الوزراء اللبنانيون في الخارج ينتظرون انتهاء اللقاء. وقال المصدر إن الأمر تفاقم بعدما رفض سلام التحدّث إلى أعضاء الوفد في رحلة العودة عمّا ناقشه مع الشرع، مكتفياً بكلام عام.

بواسطة
ماهر سلامة
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى