لماذا رفعت البنوك المركزية مشترياتها من الذهب الى أعلى مستوى في 5 فصول… وما السيناريوات المقبلة؟

في وقت تتزايد فيه حالة الضبابية التي تخيم على الاقتصاد العالمي، عادت البنوك المركزية إلى تعزيز حيازاتها من الذهب بوتيرة هي الأعلى منذ أكثر من عام، في مؤشرٍ يعكس تنامي القلق من التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية، إلى جانب تراجع الثقة ببعض الأدوات المالية التقليدية، وعلى رأسها السندات الأميركية.
وتأتي هذه التحركات في ظل بيئة اقتصادية معقدة تتشابك فيها الحرب والتضخم وتغيرات السياسة النقدية، ما عزز من جاذبية المعدن الأصفر باعتباره ملاذاً آمناً وأداة تحوط استراتيجية لحماية الاحتياطيات النقدية.
أعلى وتيرة شراء منذ 5 فصول
ووفق بيانات مجلس الذهب العالمي، سجل صافي مشتريات البنوك المركزية من الذهب 243.7 طناً في الربع الأول من 2026، ليصل إلى أعلى مستوى له خلال خمسة فصول متتالية، وذلك عقب فترة اتسمت بالتذبذب في وتيرة الشراء، إذ بلغت المشتريات 237 طناً في الربع الأول من 2025، ثم تراجعت إلى 179.3 طناً في الربع الثاني، قبل أن تعاود الارتفاع إلى 226.3 طناً في الربع الثالث، لتتراجع مجدداً إلى 207.6 أطنان في الربع الرابع، وصولاً إلى القفزة المسجلة في بداية 2026.
التوترات الجيوسياسية تعزز الطلب
ويعكس هذا المسار المتقلب في جوهره حالة عدم اليقين التي تهيمن على المشهد الاقتصادي العالمي، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية والاقتصادية في إعادة تشكيل قرارات البنوك المركزية.
وفي هذا السياق، تؤكد الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس في تعليقٍ خاص لـ”النهار” أن التوترات الجيوسياسية كانت المحرك الرئيسي لزيادة مشتريات البنوك المركزية من الذهب، مع توجه متزايد نحو الابتعاد عن الأصول المرتفعة المخاطر والتحوط عبر الملاذات الآمنة.
كما تشير إلى أن القلق من السياسات الأميركية وخفض أسعار الفائدة أدى إلى تراجع الدولار وانخفاض عوائد السندات، ما دفع العديد من الدول الى تقليص استثماراتها في أدوات الدين والاتجاه نحو الذهب، إلى جانب تعزيز بعض الدول احتياطياتها استعداداً للانضمام إلى تكتلات مثل “بريكس” والتحوط من التضخم، مما يعزز استمرار الطلب على المعدن النفيس خلال الفترة المقبلة.
المعاملات الأخيرة
وفي ظل هذا التحول في السلوك الاستثماري للبنوك المركزية، برزت تباينات واضحة في حركة الشراء والبيع عالمياً، بحيث تصدرت بولندا وأوزبكستان والصين قائمة أكبر البنوك المركزية شراءً للذهب خلال هذه الفترة، بينما اتجهت تركيا وروسيا وأذربيجان إلى خيار البيع.
وتعكس هذه التباينات اختلاف دوافع الدول الاقتصادية والنقدية، إذ استهدفت تركيا دعم عملتها واقتصادها المحلي، بينما لجأت روسيا إلى تغطية عجز الموازنة، في حين سعت أذربيجان إلى إعادة موازنة احتياطاتها ضمن الحدود المستهدفة.
وفي المقابل، انعكست هذه التحركات على حركة الأسعار العالمية، إذ سجل الذهب مستوياتٍ قوية قرب 5600 دولار للأونصة في أواخر كانون الثاني (يناير)، قبل أن يتراجع خلال آذار (مارس)، ليتداول حالياً ضمن نطاق يراوح بين 4538 و4700 دولار للأونصة، بما يعكس حالة عدم الاستقرار في الأسواق العالمية.
توقعات المرحلة القادمة
ومع استمرار حالة التذبذب في الأسواق، تتزايد التوقعات باستمرار مشتريات البنوك المركزية في الفترة المقبلة، بحيث تتوقع حنان رمسيس، استمرار توجه البنوك المركزية نحو تعزيز مشترياتها في ظل عدم اليقين العالمي والتوترات الجيوسياسية وضبابية السياسات الأميركية وتحركات الفائدة، وهو ما قد يدفع الأسعار عقب هدوء التوترات وتبعات حرب إيران الى مستويات تقترب من 6000 دولار للأونصة، مع تعزيز دوره كملاذ آمن.
ويتوافق هذا مع توقعات مؤسسات مالية كبرى، بينها “جي بي مورغان” التي ترجح وصول الذهب إلى 6300 دولار للأونصة، و”يو بي إس” التي ترى إمكان استهداف 6200 دولار مع سيناريو متفائل يصل إلى 7200 دولار في حال تصاعد الأزمات، إلى جانب “بنك أوف أميركا” الذي يتوقع بلوغه 6000 دولار خلال 12 شهراً، وقد يمتد إلى 8000 دولار بحلول 2027.
وفي ظل استمرار التوترات العالمية وتذبذب السياسات النقدية، تبدو مشتريات الذهب مرشحة للبقاء عند مستويات مرتفعة، مع سعي البنوك المركزية إلى إعادة تشكيل استراتيجيات الاحتياطي بعيداً عن الأصول الأكثر عرضة للتقلبات، كما يعكس هذا الاتجاه تحولات أعمق في خريطة الثقة بالنظام المالي العالمي وأدواته التقليدية.



