ابرز الاخبارالاقتصاد العربي والدولي

2026 أزمة الائتمان الخاص: تذكرنا بمؤشرات أزمة العالم 2008

مع اتساع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار إغلاق مضيق هرمز منذ أواخر شباط/فبراير، لم تعد الأسواق تخشى أزمة طاقة أو تضخماً عالمياً فحسب، بل من انفجار مالي صامت اسمه “الائتمان الخاص (Private Credit)”، وهو القطاع الذي تضخّم خلال سنوات الفوائد المخفوضة حتى بات يوازي حجماً بعض الأسواق المصرفية التقليدية. واليوم، يطرح المستثمرون السؤال نفسه الذي سبق أزمة 2008:

ما المقصود بالائتمان الخاص؟

– قروض تمنح للشركات خارج النظام المصرفي التقليدي.

– تقودها صناديق استثمار وشركات إدارة أصول مثل: Blackstone- Apollo global management – Ares management

الائتمان الخاص هو ببساطة قروض تمنحها صناديق استثمار وشركات إدارة أصول مباشرة للشركات، بعيداً من النظام المصرفي التقليدي. وبعد تشديد القواعد على البنوك عقب أزمة 2008، انتقلت شهية الإقراض إلى مؤسساتٍ غير مصرفية، موّلت آلاف الشركات حول العالم عبر ديون مرتفعة التكلفة وعالية المخاطر، وديون فوق ديون من دون مقدرة على تتبعها. والأزمة الحقيقية عندما يطلب أصحاب الأموال إستعادة أموالهم في حين هذه الصناديق لا تملك نقداً كافياً، لأن أموالها محبوسة في قروض طويلة الآجل.

هل بدأت الشرارة المالية التالية من مكان لا يراقبه أحد جيداً؟

بحسب تقديرات وكالة موديز “MOODYS PRIVATE CREDIT OUTLOOK 2026” وهي وكالة التصنيف الائتماني الأميركية المعروفة عالمياً، تجاوز حجم سوق الائتمان الخاص عالمياً مستوى تريليوني دولار في 2026، مع توقعات ببلوغه أربعة تريليونات دولار بحلول 2030. فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن الحجم الفعلي، مع احتساب القروض المموّهة وأدوات التمويل الموازية، في حين أشارت تقارير لمجلس الاستقرار المالي “Financial stability board” الى أن حجم سوق الائتمان نحو 3.5 تريليونات دولار.

لكن المشكلة ليست في الحجم فحسب، بل في طبيعة هذه السوق. فمعظم القروض غير مدرجة علناً، ولا تخضع لشفافية البنوك التقليدية، كما أن جزءاً كبيراً منها مرتبط بشركات تكنولوجيا، وعقارات، ونقل، وطاقة، وهي القطاعات الأكثر تضرراً من اضطرابات التجارة والطاقة الحالية. ففي 2008 تدخلت الدول لحل الأزمة إلا أن المفارقة في 2026 الحكومات نفسها أصبحت مثقلةً بالديون، والدول لم تعد تملك القدرة نفسها على الإنقاذ حتى الآن لا يوجد انهيار مصرف عالمي، فالبنوك الكبرى ما زالت تملك سيولة ورؤوس أموال قوية، إلا أن الخبراء يحذرون من أزمةٍ موجودة في الظل إلا أنها ستنتقل الى الاقتصاد الحقيقي.

في الأسابيع الأخيرة، بدأت مؤشرات الخطر تظهر بوضوح، فقد خفّضت صناديق تابعة لـBlackstone وBlackRock تقييمات محافظها الائتمانية بسبب تعثر قروض مرتبطة بشركات البرمجيات والتكنولوجيا، بينما حذّر مجلس الاستقرار المالي العالمي (FSB) من أن انكشاف البنوك على سوق الائتمان الخاص بات يشكّل “خطراً نظامياً متصاعداً.

أما وكالة “فيتش”، فأشارت إلى أن معدلات التعثر في سوق الائتمان الخاص ارتفعت إلى 5.8% مطلع 2026، وهو أعلى مستوى تاريخي مسجل لهذا القطاع.

وهنا يدخل مضيق هرمز إلى قلب الأزمة

فإغلاق المضيق لم يرفع أسعار النفط والغاز فحسب، بل أصاب سلاسل الإمداد والشحن العالمي والقطاعات الصناعية بتكلفة تمويل وتشغيل هائلة. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن إمدادات النفط والغاز العالمية تراجعت بنحو 20% منذ بدء الإغلاق، فيما قفزت أسعار النفط بأكثر من 50% والغاز بنحو 42%.

هذه الصدمة تضرب مباشرة الشركات المقترضة من صناديق الائتمان الخاص، لأن معظمها يعتمد على تدفقاتٍ نقدية ضعيفة وتمويل مرتفع الفائدة. وكلما ارتفعت أسعار الطاقة وتكلفة النقل والتأمين البحري، تقلّصت قدرة هذه الشركات على سداد ديونها.

وبحسب بيانات المنظمة البحرية الدولية (IMO)، أدّت أزمة هرمز إلى احتجاز نحو 1500 سفينة، بسبب القيود المفروضة على المرور في المضيق، فيما ارتفعت أقساط التأمين البحري إلى مستويات قياسية.

لكن هل نحن أمام نسخة جديدة من أزمة 2008؟

هناك أوجه شبه واضحة، ففي الحالتين، يوجد تضخم هائل في سوق ديون أقل شفافية من النظام المصرفي التقليدي، مع اعتماد واسع على الرافعة المالية، وتداخل متزايد بين البنوك والصناديق الاستثمارية. كما أن المستثمرين لا يملكون صورة دقيقة عن حجم المخاطر الحقيقية داخل المحافظ الائتمانية.

إلا أن هناك اختلافات جوهرية أيضاً، فأزمة 2008 انطلقت من النظام المصرفي نفسه ومن الرهون العقارية السكنية، بينما الأزمة الحالية تأتي من “القطاع المالي الموازي” أو ما يعرف بـShadow Banking . كذلك، فإن البنوك اليوم أكثر رسملة من السابق، لكن الخطر انتقل إلى صناديق استثمار أقل تنظيماً وأكثر غموضاً.

ويُقصد بمصطلح “القطاع المالي الموازي” أو (Shadow Banking) شبكة المؤسسات المالية غير المصرفية التي تقوم بأنشطة الإقراض والتمويل خارج النظام المصرفي التقليدي ومن دون الخضوع لمستوى الرقابة التنظيمية نفسه على البنوك. ويشمل هذا القطاع صناديق الائتمان الخاص وصناديق التحوط وشركات التمويل، وفق تعريف مجلس الاستقرار المالي Financial Stability Board.

جغرافياً، لم تعد الأزمة أميركية فقط، صحيح أن الولايات المتحدة تمثل المركز الأكبر لسوق الائتمان الخاص، إلا أن التوسع السريع شمل أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الائتمان الخاص في الأسواق الناشئة تضاعف خمس مرات خلال عقد واحد، مع تمدده إلى قطاعات البنية التحتية والطاقة والعقارات.

في المحصلة، لدينا سيناريوات مقبلة، تتوقف بدرجة كبيرة على مصير مضيق هرمز. إذا استمر الإغلاق، فإن الأسواق قد تواجه موجة تعثرات أوسع، خصوصاً في قطاعات الشحن والطاقة والتكنولوجيا والعقارات التجارية، ما قد يدفع صناديق كبرى إلى تجميد السحوبات أو بيع أصول بخسائر حادة، وهو سيناريو يذكّر ببدايات أزمة 2008.

أما إذا أعيد فتح المضيق خلال الأسابيع المقبلة، فقد تنجح الأسواق في احتواء الصدمة تدريجاً، خصوصاً إذا تراجعت أسعار النفط وعادت حركة التجارة إلى طبيعتها. لكن حتى في هذا السيناريو، يبدو أن عصر النمو السهل لسوق الائتمان الخاص قد انتهى، وأن المستثمرين بدأوا يعيدون تسعير المخاطر التي جرى تجاهلها لسنوات طوال.

وفي الحالتين، فإن الرسالة التي بدأت تصل إلى الأسواق واضحة: الأزمة المقبلة قد لا تبدأ من البنوك هذه المرة، بل من الظل المالي الذي نما بعيداً من الأضواء.

بواسطة
مهى كنج
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى