أخبار لبنانابرز الاخبار

الحرب في لبنان تستنزف الدولار.. فهل بدأ العد العكسي؟

ليس مستغرباً في بلد يعيش على إيقاع أزمات متلاحقة، أن يتحول شح الدولار إلى هاجس يومي تتكيف معه السوق تدريجاً، وفقاً للسياسة التي يعتمدها مصرف لبنان في مثل هذه الأزمات.
مع إطالة أمد الحرب، تبرز مخاوف من اختلال هذا التوازن النسبي. إذ تكمن المخاطر في المدى المتوسط، مع تراجع مصادر الدولار، ومنها انخفاض تحويلات المغتربين (لا سيما من الخليج)، وتراجع الإيرادات السياحية بنسبة تتجاوز 75%، وضعف الصادرات في بعض القطاعات إلى مستويات شبه معدومة، فضلاً عن انكماش اقتصادي متوقع قد يتجاوز 8%.

لكن المؤشرات الراهنة لا توحي بانهيار وشيك، بقدر ما تعكس نموذجاً قائماً على ضبط الكتلة النقدية، واستخدام محسوب للاحتياط، وإعادة تدوير الدولارات داخل السوق.

يبلغ احتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية نحو 11.5 مليار دولار، وقد تراجع خلال شهر نيسان بنحو 140مليون دولار فقط، وهو تراجع محدود نسبياً. إلا أن الصورة تصبح أوضح عند قياس فترة أطول، حيث انخفض الاحتياط منذ منتصف شباط حتى نهاية آذار بنحو 500 مليون دولار.

480 مليون دولار التزامات شهرية

هذا التراجع ليس مفاجئاً، بل يرتبط مباشرة بالتزامات شهرية ثابتة، أبرزها إعادة جزء من أموال المودعين التي تصل إلى نحو 220 مليون دولار شهرياً عبر التعاميم. ومع إضافة ما يقارب 260 مليون دولار لتغطية مدفوعات القطاع العام، ولا سيما الرواتب والأجور، يصبح مجموع الالتزامات الشهرية نحو 480 مليون دولار، ما يفسر مسار الانخفاض التدريجي للاحتياط.

على رغم الرقم الإجمالي للاحتياط، تعود نحو 9 مليارات دولار منه فعلياً إلى أموال المودعين، ما يعني أن الهامش المتاح للاستخدام محدود. في المقابل، تمتلك الدولة سيولة تُقدر بنحو 1.5مليار دولار، ما يرفع مجمل الموارد القابلة للاستخدام إلى نحو 2.5 ملياري دولار، وهو مبلغ قد يكفي لتغطية الحاجات الأساسية لفترة تقارب سنة، ضمن الظروف الحالية.

انطلاقاً من ذلك، تؤكد مصادر المصرف المركزي أن “هذه الأموال لن تستخدم لدعم السلع أو الكهرباء، بل هي مخصصة حصراً لإعادة حقوق المودعين، تفادياً لتكرار سياسات الاستنزاف السابقة”.

على صعيد السوق، تؤكد المصادر أنه لا يظهر وجود طلب إضافي كبير على الدولار. فالكتلة النقدية بالليرة تبلغ حالياً نحو 63 ألف مليار ليرة، أي ما يعادل 700 مليون دولار، وهي في تراجع مستمر مقارنة بمستويات سابقة بلغت 80 ألف مليار ليرة.

هذا الانخفاض الذي يصل إلى نحو 17 ألف مليار ليرة، يعني عمليا تراجع القدرة على المضاربة على الدولار، وتالياً يخف الضغط على سعر الصرف الذي لا يزال مستقراً نسبياً.

الاستثناء الوحيد يتمثل في سلوك بعض التجار الذين يحولون الليرة إلى دولار موقتاً، قبل إعادة بيع الدولار لاحقاً من أجل تسديد الضرائب المستحقة عليهم، ما يؤدي إلى تقلبات ظرفية مرتبطة بعامل نفسي أكثر منه نقدياً، في رأي المصادر عينها.

ووفق المصادر فإن التنسيق الوثيق بين وزارة المال ومصرف لبنان يساهم في الاستقرار النقدي. فالسياسة المالية الحكيمة التي تعتمدها الوزارة تساعد مصرف لبنان في سياسته المحافظة على الاستقرار النقدي الذي هو ضرورة ملحة في هذه الظروف.

الليرة الشحيحة… أداة لضبط السوق
توازيا، يعتمد مصرف لبنان سياسة نقدية قائمة على امتصاص السيولة بالليرة، ما أدى إلى انكماشها في السوق ورفع معدلات الفائدة بين المصارف إلى مستويات راوحت خلال الأيام العشرة الأخيرة بين 50% و100%. ويتزامن ذلك مع زيادة الإقبال على تسديد الضرائب الفصلية، ولا سيما ضريبة القيمة المضافة (TVA).

وقد سجلت إيرادات الدولة في نيسان نحو 450 مليون دولار (المتوقع كان 700 مليون دولار)، لكنها جاءت دون التوقعات، إذ تراجعت بنحو 20% مقارنة بالشهر عينه من العام الماضي، وبأقل من 40% من المستوى الذي كان متوقعا. ومع ذلك، تبقى هذه الإيرادات عنصر دعم مهم، إذ إن دفع الضرائب بالليرة يحمل المكلفين على بيع الدولار، ما يوفر عرضاً إضافياً في السوق يستفيد منه مصرف لبنان لتعزيز احتياطاته.

صحيح أن شح الدولار لم يعد ظاهرة استثنائية، بل أصبح جزءاً من توازن دقيق تديره السياسات النقدية تحت ضغط الحرب والتحديات الاقتصادية، إلا أنه في ظل استمرار الحرب وتآكل مصادر الدولار، يبقى الحل مرتبطاً بعاملين أساسيين: الأول استعادة الثقة بالنظام المالي، والثاني ضمان دعم خارجي من خلال اتفاق واضح مع المؤسسات الدولية. دون ذلك، قد يتحول هذا الاستقرار “المضبوط” إلى أزمة مؤجلة… لا أكثر.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى