51 ألف هكتار تحت النار: الحرب تضرب الزراعة( الأخبار ٢٧ نيسان)

51,956 هكتاراً من الأراضي الزراعية خرجت من دورة الإنتاج جراء الحرب حتى اللحظة، وفق بيانات وزارة الزراعة اللبنانية، لتتحوّل الخسارة من أضرار متفرّقة إلى فجوة فعليّة في القدرة الزراعية. هذا الرقم، الذي يوازي 22.5% من مجمل المساحات المزروعة، ليس خسائر مؤقّتة، بل هو تفكّك فعلي في بلد يعاني أصلاً من هشاشة غذائية.
لا تُختصر الخسارة بحجم الأراضي فقط، بل تتضح أكثر عند تفكيكها على مستوى الإنتاج والتشغيل، إذ تُظهِر بيانات وزارة الزراعة أن 78% من المزارعين في الجنوب توقّفت أعمالهم الزراعية. فهناك 6,593 مزارعاً غير قادرين على الوصول إلى حيازاتهم، مقابل 1,122 يستطيعون ذلك، و732 مزارعاً لا يعلمون إذا كان بمقدورهم الوصول. هذا يعني أنّ نحو ثلاثة أرباع القدرة البشرية في القطاع الزراعي الجنوبي تعطّلت، ما يحوّل حتى الأراضي غير المتضرّرة إلى مساحات غير مُنتِجة فعلياً.
وعلى مستوى المحاصيل الزراعية المتضرّرة، تتجلّى الخسارة في تضرّر 10,261 حيازة زراعية، توزّعت على مختلف المحاصيل الأساسية. القمح سجّل عدد الخسائر الأكبر مع تضرّر 3,020 حيازة زراعية. ويليه التبغ بتضرّر 1689 حيازة زراعية وهو محصول نقدي أساسي لمناطق الجنوب، ما يشير إلى أن الخسارة ليست إنتاجية فقط، بل تطاول دخل آلاف العائلات. كما يسجّل البطاطا رقماً مرتفعاً مع تضرّر 803 حيازات زراعية فضلاً عن الشعير الذي سجّل تضرّر 584 حيازة. كما سجّلت الأعشاب الخضراء تضرّر 462 حيازة، بالإضافة إلى مختلف أنواع المحاصيل.
هذا التوزّع الرقمي يُظهِر أنّ الأضرار لم تقتصر على محاصيل مُحدّدة بل أصابت مجمل القاعدة الإنتاجية، من الحبوب الاستراتيجية إلى المُنتجات اليومية، ما يدلّ على أن الخسارة طاولت أيضاً الزراعات اليومية السريعة التي تغذّي السوق المحلية بشكل مباشر.
إضافة إلى ذلك، تُظهِر البيانات خسائر كبيرة لفئة الأشجار المتضرّرة التي فاقت الـ 8000 حيازة زراعية. ويتصدّر الزيتون القائمة بفارق كبير مع تسجيل 3,462 حيازة متضررة، وهو رقم لافت ليس فقط بحجمه بل بطبيعته، لأن الزيتون محصول مُعمّر يحتاج إلى سنوات لإعادة إنتاجه.
يلي ذلك التفاح بـ898 حيازة، ثم الكرز بـ569 والعنب بـ505 والأفوكاتو بـ410، ما يعني أن الضربة طاولت بشكل أساسي الزراعات الدائمة ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة. وتُظهِر بيانات الموارد المحتملة التي أبلغت عنها شبكة شركاء الزراعة في وزارة الزراعة أن الاستجابة ما زالت في طور التأمين، مع تسجيل 1,600,150 دولاراً كمساعدات نقدية يجري العمل على توفيرها، إلى جانب مساعدات عينية تشمل مجموعات مضخّات ريّ تعمل على الطاقة الشمسية، ومدخلات زراعية وأعلافاً ومعالجات وخدمات مرتبطة بالبنية التحتية.
وفي حديث لـ«الأخبار»، يقول وزير الزراعة نزار هاني إنّ حجم الأضرار التي لحقت بالأراضي جراء الحرب بلغ ربما مستويات غير مسبوقة في العالم. وأشار إلى أنّ هذه الخسائر لا تقتصر على المساحات الزراعية فحسب، بل تمتدّ إلى تعطّل واسع في الإنتاج، نتيجة خروج عدد كبير من المزارعين من أراضيهم، ما أدّى إلى كسر الدورة الزراعية في العديد من المناطق، ولا سيما في الجنوب والنبطية والبقاع. ولفت إلى أنّ الأضرار طاولت مختلف الأنشطة الزراعية، من المحاصيل إلى تربية المواشي والنحل، ما يعمّق الأزمة ويجعل تأثيرها طويل الأمد. ولفت إلى أنّ كلفة الحرب على القطاع الزراعي والأمن الغذائي حتى نهاية عام 2024 قُدّرت بنحو مليار دولار أميركي، مرشّحة للارتفاع مع استمرار الأضرار.
وأوضح الوزير أنّ الوزارة تعمل على توثيق هذه الأضرار بشكل تفصيلي، بالتوازي مع التحرّك على المستوى الدولي لحشد الدعم. وكشف عن سلسلة لقاءات يعقدها في روما مع جهات دولية معنية، شملت إدارة منظّمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، وفرقها الإقليمية للشرق الأدنى، إلى جانب اجتماعات مع ممثلين عن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية وبرنامج الأغذية العالمي، بهدف حشد الدعم الدولي للقطاع الزراعي في لبنان وتسليط الضوء على خطورة الوضع. كما أشار إلى توقيع اتفاقية تعاون مع وزارة الزراعة الإيطالية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشراكات الدولية.
في المحصّلة، لا تُختزل هذه الأرقام بخسارة إنتاجية ظرفية، بل تُترجم إلى اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد. فمع تراجع العرض المحلي بهذا الحجم، يرتفع الاعتماد على الاستيراد وتتّسع فجوة الميزان التجاري. وفي غياب قدرة سريعة على تعويض الإنتاج المفقود، تتحوّل الزراعة من عنصر توازن إلى مصدر إضافي للعجز. بذلك، لا تقف تداعيات الحرب عند حدود الحقول، بل تمتد إلى قلب المعادلة الاقتصادية، حيث يصبح الأمن الغذائي مرتبطاً مباشرة بالاستقرار النقدي والمالي.



