أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

5 محطات في لبنان… ودروس من التاريخ(نداء الوطن ٢٣ نيسان)

يطرح نشوء الدولة في لبنان ولبنانيًا إشكالية خاصة في الأنتروبولوجيا التاريخية للدولة في مركزيتها ووحدانيتها واحتكار وظائفها السيادية الأربع الموصوفة بالملكية (rex, regis, roi) ومواجهتها قوى محلية وقبلية ومذهبية… نابذة centrifuges.

تعيش سوريا حاليًا أيضًا، بعد انهيار نظام الأسد، معضلة الدولة في مركزيتها ووحدانيتها انسجامًا مع تراث الشعب السوري في وحدته ولكن في واقع اضطراب مثاقفة الدولة في الإدراك الجماعي المعاش.

كانت تنطلق الأيديولوجية السائدة سابقًا بشأن البناء القومي nation building في الإدراك بشأن العلاقة بين المركز والأطراف centre et périphérie إن الأمم تنشأ بالحديد والنار انطلاقًا من مراكز تمتد حصرًا بالقوة على نمط بعض البلدان. وتمّ تعميم ذلك في خمسينات القرن الماضي في كتب التاريخ المدرسية بشأن الوحدة الإيطالية والوحدة الألمانية. هذه الأيديولوجيا في البناء القومي ما تزال راسخة في أذهان العديد من المؤلفين في الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والمجتمعات العربية. يتم التعبير عنها في استهجان طبيعة بعض المجتمعات في تعدديتها الثقافية وإرادة تجاهل تعدديتها والعمل على انصهارها في حين أن الانصهار يعني أساسًا صهر المعادن خلافًا للاندماج cohésion / intégration.

عمّم ماضيًا علماء دستور عديدون، في لبنان والعالم، الجهل في كل ما يتعلق بأنظمة على نمط لبنان وسويسرا والبلاد المنخفضة وإيرلندا الشمالية وجزيرة موريس وجزر فيدجي وغانا… التي حققت وحدتها من خلال سياسة تسوية accommodation ومع تسميات مختلفة: ميثاق، توافق consociatio، تحالف junktim… كان ذلك موضوع المؤتمر الذي عقدته اليونسكو في Cerisy-la-Salle في فرنسا سنة 1971: “أنماط البناء القومي في بلدان عديدة” مع مداخلة للكاتب السويسري Hans Daalder حول البناء القومي في سويسرا والبلدان المنخفضة:

L’édification nationale dans diverses regions, Revue internationale des sciences sociales, Unesco, XXIII (3), 1971, pp. 384-399.

وتعريب افلين أبو متري مسرّه، البناء القومي بالمواثيق والأنظمة البرلمانية التعددية، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، سلسلة “وثائق”، رقم 62، 2017.

Hans Daalder, “On Building Consociational Nations: The Cases of the Netherlands and Switzerland”, ap. Kenneth McRae, Consociational Democracy, McClelland and Stewart Limited, no 79, 1974, 312 p. pp. 107-124.

سعينا بعد ذلك في امتداد المقارنة الدولية في ما يتعلق بلبنان. لكنه بدلاً من اعتماد منهجية علمية وتطبيقية انتشر التلوث والمخادعة والتلاعب في المفاهيم من قبل أنظمة الاحتلال وأعوانها وما تزال المخادعة مستمرة مع بركة مثقفين ببغائيين.

توفر خمس محطات تاريخية عريقة في تاريخ لبنان مجالًا في بناء نظرية الدولة لبنانيًا وختام سنوات من التلاعب والمخادعة خلف ستار مصطلحات تلوثت في سجالات لبنانية وتعابير “ميثاقية” و “توافقية” و “حوار وطني” ومساومة…!

1. إن “إعلان دولة لبنان الكبير” في أول أيلول 1920 هو نموذج لم يتم شرحه بعمق في مؤلفات تاريخية. انه نموذج ريادي ونموذجي في أنتروبولوجيا التاريخ حيث حصل انضمام كل الأطراف والمذاهب إلى الدولة في مركزيتها ووحدانيتها، كما يتبيّن بشمولية في الوثائق التي نشرها المؤرخ الكبير أنطوان حكيم. قبل ذلك التاريخ كان لبنان كيانًا مجتمعيًا في إمارات وإقطاعيات وتابعًا للدولة العثمانية.

2. يُشكّل 22 تشرين الثاني 1943 محطة تاريخية في انضمام كل الأطراف والمذاهب إلى الدولة في مركزيتها ووحدانيتها كما يتبيّن من مجمل أرشيف هذه المرحلة وبخاصة في كتاب: غسان تويني مع فارس ساسين ونواف سلام، كتاب الاستقلال بالصور والوثائق، دار النهار، الطبعة الثالثة، 2001، 326 ص.، وأيضًا وثائق الأرشيف الفرنسي الأخيرة للدكتور أنطوان الحكيم. تثير هذه الوثائق الأخيرة الإعجاب بشأن المواقف الاستقلالية اللبنانية العارمة في 22 تشرين الأول 1943، وبخاصة مراسلات Georges Catroux بشأن “الوطنية اللبنانية”:

Antoine Hokayem, Le crépuscule du Mandat : De l’Armistice de Rethondes à l’Indépendance du Liban et de la Syrie, 1940-1943, Tome 5, Point Delta, 2026،870 p.

يورد بالتفصيل Georges Catroux الموجة الاستقلالية اللبنانية العارمة في رسالة إلى شارل ديغول منتقدًا إجراءات Helleu تجاه الحكومة الاستقلالية. وينتقد “الانتداب السلطوي”. ويورد “المس بالشعور الوطني الذي أحدثته قرارات Helleu”. ويكتب بعد مقابلته مع بشاره الخوري “المتألم والرزين” “physiquement éprouvé et digne”. يقول بوضوح: “لن أعيد تكرار عملية Helleu” (وثيقة 481، 22/11/1943). في الوثائق وصف للإجماع اللبناني الاستقلالي في طرابلس كما في البسطا!

3. في 13 تشرين الأول 1990 بعد ميثاق الطائف وانتخاب الرئيس الياس هراوي حصلت حالة تمرد ضد ميثاق الطائف. سعى الرئيس الياس هراوي، كما يرد في المذكرات التي نشرها عنه كميل منسى، وبجهد في سبيل تسليم قصر بعبدا. اضطر بعدئذ الرئيس هراوي إلى الاستعانة بجيش الأسد في سبيل إنهاء حالة التمرّد. كان ثمن الاستعانة بجيش الأسد باهظًا ولسنوات عديدة! تتم مقاربة هذا التاريخ غالبًا من منطلقات سطحية وعلى النمط اللبناني في حين أن هذه المرحلة تتطلب درجة قصوى من الدراية في قضية الدولة حسب المفهوم الإغريقي prudence. إنه مفهوم سياسي أساسًا في فلسفة الإغريق لأنه في السياسة قد يكون الخيار ليس بين الخير والشر، بل بين السيئ والأسوأ! هل يتم حينئذٍ خيار الأسوأ! إن مفهوم الـ prudence غائب في سلوكيات لبنانية وعربية أيضًا.

4. على أثر العملية الحربية العسكرية واغتيال الرئيس رفيق الحريري وموكبه، في 14/2/2004، حصلت انتفاضة عفوية لبنانية عارمة أدت إلى انسحاب جيش الأسد من لبنان. لم يعد جندي سوري قادرًا على البقاء على قارعة الرصيف.

5. يواجه لبنان اليوم، وبخاصة منذ اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006، واقع دولتين: دولة لبنانية رسمية ودولة رديفة ذات تسلّح وتمويل ودبلوماسية خارجية وتناقِض الانتماء للبنان، مما يطرح إشكالية الدولة والانضمام إلى الدولة. هل الدولة مركز حسم أو مساومة؟ يعيش اللبنانيون واقع تقسيم مستحيل في دولتين في مساحة جغرافية موحّدة. كان الوضع كذلك في يوغوسلافيا القديمة، وتشيكوسلوفاكيا القديمة والسودان… حصل في هذه البلدان تقسيم تفاوضي وفي قبرص حصل تهجير قسري. في حالة لبنان التقسيم مستحيل عمليًا، وغير مقترح وغير مطروح إطلاقًا! لكن واقع الأمور هو حالة تقسيمية مستحيلة! ويتمادى لبنانيون في المساومة compromission على نمط سلوكيات لبنانية في التموضع والتذاكي والتكاذب والمعليشية والأقوال الشعبية: معليش، شو فيها، مشّيها، طرّيها، بيناتنا، ما تحمل السلم بالعرض…!

يتطلب نشوء الدولة في مجتمعات تعددية وفي مواجهة قوى نابذة centrifuges، كما في كل حالة سيادية، القوة. إنه إما سلاح الموقف العارم كما منذ 1920 واغتيال الحريري، أو السلاح العسكري كما حصل بكلفة باهظة في الاستعانة بجيش الأسد في 13/10/1990.

يواجه لبنان واقعًا حيث يتوجب التمييز بين الجانب الداخلي اللبناني في مواجهة دولة رديفة والواقع الإقليمي. يستطيع الجيش اللبناني وشرعية دعمه الشعبية في حسم ومعالجة الواقع الداخلي ويقتضي ذلك. لكن لبنان يواجه أيضًا في موازاة الدولة الرديفة حالة احتلال تتخطى قدرات البلد الصغير والدور الكبير!

ما يعيق سلاح الموقف وشجاعة الموقف في رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة ووزير خارجية وقوى سياسية وطنية… سلوكيات مستمرة في التكاذب والتذاكي والتموضع والمسايرة وعلى مسافة واحدة من الجميع و “حوارات موسمية”، حسب تعبير عالم الاجتماع الكبير ملحم شاوول! تُشكل هذه السلوكيات خطرًا وجوديًا على مستقبل لبنان والثقة بلبنان وعراقة تراثه الاستقلالي وشهدائه والمقاومين الوطنيين الشرفاء.

إن تدخل جيش الأسد في 13/10/1990 في سبيل استعادة الدولة كان باهظ الكلفة. هل تُكرّر إسرائيل، بكلفة باهظة ومفاعيل كارثية، تجربة 13/10/1990؟ تندرج المعالجة في علم النفس التاريخي والعيادي حيث قد تفضل الدولة الرديفة الهزيمة والكارثة على الانضمام إلى الدولة! أية تربية تاريخية لبنانيًا ومثاقفة الدولة بعد اليوم؟

بواسطة
أنطوان مسره
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى