الجولة الثانية من مفاوضات واشنطن الخميس… ماذا يحمل لبنان في جعبته؟( الديار ٢٢ نيسان)

بعد الجولة الأولى من المفاوضات، التي أفضت إلى هدنة مؤقتة بين حزب الله و”إسرائيل” لمدة عشرة أيام، تتجه الأنظار مجدداً إلى واشنطن، التي تستضيف يوم الخميس الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين لبنان و”إسرائيل”، وذلك قبل انتهاء الهدنة بأيام قليلة.
وإذا كانت الجولة الأولى قد فتحت مساراً تفاوضياً غير مسبوق بين الطرفين، فإنّ الجولة الثانية يُفترض أن تنتقل إلى نقاش أكثر عمقاً ، حول المطالب الأساسية لكلّ من الجانبين، ضمن مناخ إقليمي ودولي ما زال هشّاً ويخضع لتوازنات دقيقة.
وتُعد هذه الجولة المرتقبة، وفق مقاربة سياسية، إختباراً مبكراً ومهماً لعهد الرئيس جوزاف عون، من زاوية قدرته على إدارة ملف تفاوضي حسّاس بهذا الحجم. فنجاحه في تثبيت مسار تفاوضي، يربط بين استعادة الأرض وتعزيز الاستقرار (وعودة السكّان إلى قراهم وتحرير الأسرى وإعادة الإعمار لاحقاً )، قد يعزّز موقع الدولة ودورها، في ما قد يؤدي تعثّر المسار إلى إبقاء الوضع في الجنوب عرضة للتصعيد والتوتّر.
في هذا السياق، يدخل لبنان الجولة الثانية بتمثيل رسمي يحمل دلالات دستورية وسياسية، بعد تكليف السفير السابق في واشنطن سيمون كرم تمثيل الدولة اللبنانية، بحسب ما تشير مصادر سياسية مطلعة. وقد يضمّ الوفد، وفق المعلومات المتداولة، شخصية مدنية مُساعدة وأخرى عسكرية متخصصة، مع دور محتمل لسفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض، التي شاركت في الجولة الأولى. وتبقى تركيبة الوفد قابلة للتعديل تبعاً لطبيعة الوفد “الإسرائيلي” المقابل.
وتلفت المصادر نفسها إلى أن اختيار السفير كرم يعكس رسالة مزدوجة: الأولى موجّهة إلى واشنطن ، وتؤكّد رغبة لبنان في التعاطي مع الملف عبر القنوات الديبلوماسية والمؤسساتية، والثانية داخلية تؤشر إلى تمسّك رئاسة الجمهورية بإدارة هذا المسار ضمن الأطر الدستورية.
ويستند هذا التوجّه، بحسب القراءة الدستورية، إلى المادة 52 من الدستور التي تنصّ على أن يتولّى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها ، بالاتفاق مع رئيس الحكومة”. على أن تُحال لاحقاً إلى المؤسسات الدستورية المختصة.
في المضمون السياسي، تشير المصادر إلى أنّ الرئيس عون رسم سقف المرحلة، عندما أعلن استعداده “للذهاب إلى أي مكان ضروري لتحرير أرضي وحماية شعبي وإنقاذ بلدي”، على ما قال في خطابه الأخير، ما يعكس استعداداً للدخول في تفاوض مرن، إذا كان يفضي إلى نتائج ملموسة، مقابل رفض أي تسوية شكلية أو منقوصة.
وبناءً على ذلك، سيحمل لبنان في جعبته إلى واشنطن، على ما تؤكّد المصادر، ثلاثة عناوين رئيسية:
1- تثبيت وقف إطلاق النار: يسعى لبنان إلى التوصّل إلى وقف شامل وواضح لإطلاق النار بضمانات أميركية ودولية، بما يمنع انهيار التهدئة خلال فترة قصيرة، مع تجنّب الدخول في مسارات سياسية أوسع قبل تثبيت هذا الشرط.
2- إنهاء الاحتلال والاعتداءات: يطالب لبنان بانسحاب “إسرائيل” من المواقع التي ما زالت تتمركز فيها داخل الأراضي اللبنانية، ووقف العمليات العسكرية والتوغّل في المناطق الجنوبية ، ومحاولات فرض وقائع ميدانية جديدة في بعض القرى الحدودية، باعتبار أنّ أي تسوية لا تبدأ من استعادة السيادة تبقى ناقصة.
3- تعزيز انتشار الجيش اللبناني: يركّز لبنان على تمكين الجيش من الانتشار الكامل في منطقة جنوب الليطاني، بما يكرّس سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً.
في المقابل، تدخل “إسرائيل” الجولة الثانية بسقف مطالب مرتفع، يتمثل في ترتيبات أمنية مشدّدة في الجنوب، وإبعاد البنية العسكرية لحزب الله عن الحدود، إضافة إلى السعي لضمانات طويلة الأمد تمنع أي تهديد محتمل. كما تطرح فكرة إقامة ترتيبات ميدانية تمنحها شعوراً بالأمن المستدام، بدلاً من الاكتفاء بهدنة مؤقتة قابلة للانفجار.
وتكمن العقدة الأساسية، وفق هذه المقاربة، في التباين العميق بين الطرفين: لبنان يتمسّك بالسيادة والانسحاب الكامل، ورفض أي منطقة عازلة أو بقاء أي عسكري “إسرائيلي” داخل أراضيه، فيما تركّز “إسرائيل” على الأمن والضمانات والترتيبات الميدانية طويلة الأمد.
في هذا الإطار، تحاول واشنطن بلورة صيغة وسطية، وفق المصادر، تقوم على التدرّج، عبر انسحاب “إسرائيلي” مرحلي ومتزامن مع انتشار موسّع للجيش اللبناني، وتعزيز دور قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) ضمن ولايتها، إلى جانب آلية رقابة أميركية- دولية وجدول زمني واضح، لتنفيذ الالتزامات المتبادلة. وبهذا الشكل، يُفترض أن يحصل لبنان على مسار تدريجي لاستعادة الأرض، فيما تحصل “إسرائيل” على ضمانات أمنية وآلية تحقق ميدانية.
وبذلك، لا تبدو الجولة الثانية تقنية بقدر ما هي سياسية بامتياز، إذ إن نتائجها قد تحدّد الانتقال من إدارة التوتّر إلى محاولة إنتاج استقرار نسبي، أو العودة إلى مرحلة أكثر هشاشة في الجنوب.
هذا، وينتظر حصول الإتصال الهاتفي الثاني بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب ونظيره اللبناني خلال هذا الأسبوع، لمعرفة ما ستكون عليه مشهدية المرحلة المقبلة.



