خاص- تراجع تحويلات المغتربين واهتزاز سعر الصرف… حقيقة أم تهويل في زمن الحرب؟
في خضم التصعيد العسكري وما يرافقه من ضبابية اقتصادية، تتصاعد المخاوف حول تراجع تحويلات المغتربين واهتزاز استقرار سعر الصرف، إلى جانب الخسائر غير المباشرة الناتجة عن الفرص الضائعة. لكن، هل تعكس هذه المخاوف واقعاً دقيقاً أم أنها مبالغات وتهويلات؟
في هذا السياق، أكد الخبير المصرفي نسيب غبريل أن الكثير من التهويلات والمبالغات سادت خلال الشهر الجاري، سواء في ما يتعلق بتحويلات المغتربين أو بإستمرار استقرار سعر الصرف، معتبراً أنها غير مبنية على وقائع وأرقام دقيقة. وأشار إلى أن أحداً لم يقم حتى الآن بإحصاء فعلي للأضرار في الجنوب أو الضاحية، ما يستدعي التريث وعدم استباق النتائج.
وأضاف: لا شك أن الحرب الإيرانية-الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية تفرض كلفة باهظة على الاقتصاد، فضلاً عن الخسائر الناتجة عن الفرص الضائعة.

وفنّد غبريل في حديث لموقعنا Leb Economy بعض التهويلات المتداولة بدءا بموضوع تراجع تحويلات المغتربين، وقال: في حال سُجّل تراجع في هذا الموضوع، فسيكون طفيفاً، عازيا ذلك إلى محدودية تأثير الحرب على دول الخليج العربي، رغم تسجيل تباطؤ نسبي خلال شهر آذار، وفق المؤشرات الصادرة. إلا أن هذه الدول، بحسب غبريل، تمتلك مقومات اقتصادية ومؤسساتية متينة تتيح لها التعافي سريعاً، كما حصل خلال جائحة كورونا والأزمة المالية العالمية في 2006-2007. وذكّر غبريل بأن تحويلات المغتربين من الخليج، والتي تشكل نحو 45% من الإجمالي، لم تتراجع خلال تلك الأزمات، ما يرجّح أن أي انخفاض محتمل اليوم سيكون محدوداً جداً.
أما في ما يتعلق بسعر الصرف، فيرفض غبريل حصر المسؤولية بمصرف لبنان، مشدداً على أنها مسؤولية مشتركة مع السلطة التنفيذية والوزارات المعنية. واقرّ بأن احتياطات المصرف المركزي تراجعت بنحو 360.5 مليون دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، منها 343 مليون دولار في آذار وحده، إلا أنه دعا إلى قراءة الأرقام ضمن سياقها الأوسع، لافتاً إلى أن الاحتياطي لا يزال أعلى بنحو 3 مليارات دولار مقارنة بأواخر تموز 2023، رغم تراجعه في نهاية 2024 بفعل الحرب.
وفي ما يخص الذهب، اعتبر غبريل أن الحديث عن خسائر في هذا الاطار هو نظري فقط، إذ إن التغير في قيمته يبقى “على الورق” طالما لا يتم التصرف به. وأشار إلى أن قيمة الذهب بلغت ذروتها عند 47.7 مليار دولار، قبل أن تتراجع إلى 42.1 مليار دولار في أواخر آذار، موضحاً أن لبنان لا يزال يتعامل مع الذهب كـ”أصل غير قابل للمس”، بخلاف دول مثل تركيا التي استخدمته لدعم عملتها.
الفرص الضائعة
وعن الفرص الضائعة، لفت غبريل إلى أن المؤشرات الاقتصادية في مطلع 2026 كانت مقبولة، مع توقعات بموسم واعد يشمل عودة المغتربين خلال الأعياد، وانطلاق الموسم السياحي، إلى جانب المؤتمرات والمهرجانات وموسم الأعراس الذي يعتمد بشكل كبير على اللبنانيين في الخارج. إلا أن اندلاع الحرب أطاح بهذه التوقعات، ووضع البلاد مجدداً في حالة ترقب لوقف إطلاق نار مستدام.
وطرح تساؤلات حول إمكانية استعادة هذه الدينامية: فهل ستعود المؤتمرات إلى بيروت؟ وهل سيستأنف المغتربون إقامة أعراسهم في لبنان؟ وماذا عن الموسم السياحي المرتقب؟
وخلص غبريل إلى أن الفجوة كبيرة بين ما كان مأمولاً وما تحقق فعلياً، ما يعكس كلفة اقتصادية مرتفعة للحرب، حتى وإن كان من المبكر تحديدها بالأرقام.
وتحدث غبريل عن تداعيات إضافية على المالية العامة، خصوصاً لجهة الإيرادات المتوقعة في موازنة 2026، حيث قُدّرت عائدات الضريبة على القيمة المضافة بنحو 2.1 مليار دولار، وهي ضريبة ترتبط مباشرة بمستوى الاستهلاك، الذي بدوره يتأثر بالثقة والاستقرار، ما يرجّح تسجيل تراجع في هذه الإيرادات.
وفي ما يتعلق بالأسعار، لفت غبريل إلى أن أسعار النفط تراجعت بنحو 20% بعد إعلان وقف إطلاق النار المؤقت، إلا أن السؤال يبقى حول سرعة انعكاس هذا الانخفاض على الأسعار في لبنان، في ظل التجارب السابقة التي أظهرت بطء تراجع الأسعار مقارنة بسرعة ارتفاعها.
وجزم غبريل أن المسألة اليوم لا تتعلق فقط بوقف إطلاق النار، بل بإستعادة الثقة، معتبراً أن أي تهدئة غير مقرونة بإجراءات واضحة وحاسمة ستبقي حالة التردد قائمة على المستويين الاقتصادي والمالي.



