بين الركود الاقتصادي والكساد.. ثلاث سيناريوهات اقتصادية لتداعيات الحرب

في ظل تصاعد حدة الحرب الإقليمية واحتدام تهديداتها المعطوفة على الحرب الإسرائيلية على لبنان، يرى كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في “بنك عوده” الدكتور مروان بركات أن “السيناريوهات الاقتصادية لتداعيات الحرب ترتبط في الواقع بالمدة المتوقعة للنزاع وتأثيراته على الاقتصاد المحلي. من هنا، اعتمدنا على 3 سيناريوهات وهي: سيناريو حرب لمدة شهر، سيناريو حرب لمدة ثلاثة أشهر، وسيناريو حرب لمدة عام، حيث ينتقل الاقتصاد الفعلي من مرحلة التعافي إلى الركود، ومن ثم إلى الكساد إذا طال النزاع”.
ويفنّد في حديث لـ”المركزية”، هذه السيناريوهات الثلاثة على النحو الآتي:
– السيناريو الأول يفترض أن الحرب ستستمر لمدة شهر واحد، وتنتهي في نيسان 2026. في هذا السيناريو، نتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان بنسبة 2% لعام 2026، وبالتالي الحفاظ على نمو إيجابي انما بانخفاض عن النمو المسجل في العام السابق (5%). ويرتبط هذا النمو الإيجابي (رغم تراجعه) بالفترة القصيرة للنزاع التي ستسمح للاقتصاد بالتعافي بعد التسوية، بالإضافة إلى البناء على مواسم الصيف والاعياد. في هذا السيناريو، يُتوقع أن تنخفض المستوردات قليلاً لتصل إلى 20 مليار دولار أميركي، بينما يُتوقع أن تظل الصادرات ثابتة عند 3.6 مليار دولار. في الوقت نفسه، يُتوقع أن ينخفض الفائض الفعلي في ميزان المدفوعات بنسبة تزيد عن النصف ليصل إلى 1.5 مليار دولار أميركي في 2026 ضمن سيناريو الحرب لمدة شهر. على مستوى المؤشرات النقدية، يُتوقع أن يصل التضخم إلى 15% على أساس سنوي في 2026 جراء ارتفاع أسعار النفط والنقل، أي ضعف التضخم الذي تم تسجيله في 2025. كما من المتوقع أن تبقى احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية تقارب 12 مليار دولار أميركي، لتظل ثابتة تقريبًا مقارنة بالعام السابق. ومن المتوقع أن يظل سعر الصرف مستقرًا ضمن هذا السيناريو. اما بالنظر إلى مؤشرات المالية العامة، يُتوقع توازن في ميزانية الدولة في العام 2026 وفق هذا السيناريو. وبالنسبة للقطاع المصرفي، يُتوقع أن تثبت الودائع الـ”فريش” بالدولار الأميركي عند 4.5 مليار دولار، بينما يُتوقع أن تنخفض سيولة البنوك بالعملات الأجنبية قليلاً لتصل إلى 7 مليار دولار في 2026 ضمن سيناريو الحرب لمدة شهر.
– السيناريو الثاني فيفترض أن الحرب ستستمر لمدة ثلاثة أشهر. في هذا السيناريو، نتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان نموًا سلبياً بنسبة -3.0% خلال العام 2016. في هذا السياق، يُتوقع أن تصل الواردات إلى 17 مليار دولار أميركي، بينما من المتوقع أن تسجل الصادرات 3 مليار دولار. في الوقت نفسه، يُتوقع أن يسجل ميزان المدفوعات عجزًا بقيمة 2 مليار دولار أميركي في 2026 ضمن سيناريو الحرب لمدة ثلاثة أشهر. كما من المتوقع أن تنخفض احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية إلى 10 مليار دولار، وهو انخفاض بنحو ملياري دولار مقارنة بنهاية العام السابق. كما يُتوقع أن يصل حجم النقد المتداول إلى 100 تريليون ليرة لبنانية في نهاية 2026. ومع ذلك، من المتوقع أن يظل سعر الصرف مستقرًا عند 89,500 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي ضمن هذا السيناريو، على الرغم من الضغط الملحوظ على الأساسيات الاقتصادية وذلك في ظل السيطرة التقنية لمصرف لبنان على السوق.
أما بالنظر إلى مؤشرات المالية العامة، فيقول: يُتوقع حدوث عجز صافٍ في الميزانية لعام 2026، بينما قد تنخفض أسعار الـ”يوروبوندز” إلى حوالي 25 سنتًا. وبالنسبة للقطاع المصرفي، يُتوقع أن تنخفض الودائع الـ”فريش” بالدولار الأميركي قليلاً لتصل إلى 4 مليار دولار، بينما يُتوقع أن تصل سيولة البنوك بالعملات الأجنبية إلى 6.5 مليار دولار في 2026 ضمن سيناريو الحرب لمدة ثلاثة أشهر.
– السيناريو الثالث الذي يفترض أن الحرب ستستمر لمدة عام أو أكثر. في هذا السيناريو، من المرجح أن يشهد الاقتصاد انكماشًا كبيرًا في القطاع الفعلي مع تقلص الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة -10% في لبنان خلال 2026 وهو سيناريو الكساد الاقتصادي. يأتي هذا في وقت من المتوقع أن تصل المستوردات إلى 14 مليار دولار أميركي، بينما من المتوقع أن تسجل الصادرات 2 مليار دولار أميركي. في الوقت نفسه، يُتوقع أن يسجل ميزان المدفوعات عجزًا بقيمة 4 مليار دولار أميركي في 2026 ضمن سيناريو الحرب لمدة عام.
على مستوى المؤشرات النقدية، يُضيف بركات: يُتوقع أن يرتفع التضخم بشكل كبير في 2026، وهو ما يعكس تدهور قيمة العملة في ظل ازدياد الكتلة بالليرة نتيجة عجز الدولة وتقلص الكتلة بالعملات نتيجة تراجع الأموال الوافدة. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تصل احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية إلى ما دون 7 مليار دولار، وهو انخفاض بنحو 5 مليار دولار مقارنة بالعام السابق. وقد يقفز حجم النقد المتداول على أساس سنوي ليصل إلى ما يفوق 140 تريليون ليرة لبنانية في سيناريو الحرب لمدة عام. مع حدوث عجز كبير في الميزانية العامة لعام 2026 نتيجة النفقات المرتبطة بالحرب والنزوح وتردّي الإيرادات العامة، كما قد تنخفض أسعار الـ”يوروبوندز” إلى أقل من 20 سنتًا لكل دولار أميركي في السيناريو الاسوأ.
ويختم: في ظل المفارقات الكبيرة بين السيناريوهات الثلاثة، لا يسعنا إلا أن نأمل أن تضع الحرب أوزارها قريباً لتفادي تفاقم التداعيات السلبية المباشرة وغير المباشرة على اقتصاد لبنان… وعلى اللبنانيين أجمع.



