البيئة سلاحاً؛ جريمة حرب (الاخبار ٢١ شباط )

تشكّل الزراعة في جنوب لبنان، بوصفها قطاعاً غير هامشي، عماد الحياة المدنية. لذا، عندما يدمّر الجيش الإسرائيلي بيئة الجنوب الطبيعية، فإنه يهدّد الأمن الغذائي ويدفع نحو المزيد من النزوح ويعبث بالواقعين الديموغرافي والاقتصادي.
لم تقتصر مخلّفات العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ تشرين الأول 2023 على تدمير المنازل ونزوح العائلات فحسب، بل أحرقت غابات ودمّرت بساتينَ وألحقت أضراراً واسعة بالأراضي الزراعية في مناطق شاسعة من الجنوب. تطرح التقارير عن رشّ مبيدات عشبية جواً قرب الخط الأزرق مطلع عام 2026، إلى جانب الدمار الكبير الناتج عن القصف والحرائق، مسألة خطيرة: هل تحوّلت البيئة الطبيعية نفسها إلى هدف للجيش الإسرائيلي؟
وعندما تُحرق البساتين التي تعيل قرى بأكملها بشكل متكرّر، وتُصبح الأراضي الزراعية غير صالحة للاستخدام، وتُنثر مواد كيميائية فوق أراضٍ مزروعة، يصبح السؤال القانوني ملحّاً: هل سيُحاسَب الإسرائيليون يوماً؟
يضع القانون الدولي الإنساني سقفاً عالياً وواضحاً لهذه الخروقات. فالمادة 55 من الملحق الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تحظر أساليب القتال التي تُلحق «أضراراً واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية». كما تحظر المادة 54 من الملحق نفسه استهداف كل ما لا غنى عنه لبقاء السكان المدنيين، بما في ذلك المناطق الزراعية والمحاصيل ومنشآت مياه الشرب.
ويؤكّد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في المادة 8 (2) (ب) (4)، أنّ تعمّد شنّ هجوم مع العلم بأنه سيؤدّي إلى «إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية يكون إفراطه واضحاً بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقّعة الملموسة المباشرة»، يُعدّ جريمة حرب.
إنّ حجم الدمار الزراعي الذي تسبّب به الإسرائيليون في جنوب لبنان، من احتراق آلاف الهكتارات واقتلاع وإتلاف عشرات آلاف أشجار الزيتون وصولاً إلى أضرار بيئية واسعة، يفرض المساءلة وفق هذا الإطار القانوني تحديداً.
كذلك تحظر اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو أي استخدام عدائي آخر (ENMOD) أساليب التعديل البيئي ذات «آثار واسعة النطاق أو طويلة الأمد أو شديدة». ورغم أنها ارتبطت تقليدياً بالتلاعب بالمناخ، فإنّ مبدأها الجوهري حاسم، وهو حظر تحويل البيئة إلى سلاح في الحرب.
لا تمنح الضرورات العسكرية الحقّ في استخدام الوسائل كافّة بشكل مطلق. حتى في حال الدفاع عن النفس، تبقى الدولة مقيّدة بمبدأَي التناسب والتمييز. عندما يصبح التدمير البيئي متعمّداً ومنهجياً ويحقّق ميزة استراتيجية في تقويض صمود المدنيين، فإنه ينتقل من خانة الأضرار الجانبية إلى حيّز عدم المشروعية. هذا ليس خطاباً سياسياً، بل جوهر بنية القانون الدولي.
الحرب البيئية ليست مفهوماً نظرياً يُناقش في المجلات الأكاديمية، بل واقع تُجسّده بساتين متفحمة وتربة ملوّثة. وإذا كان للقانون أن يحتفظ بأي معنى، فيجب إخضاع الإسرائيليين المسؤولين عن الانتهاكات للتحقيق والملاحقة.
أرض جنوب لبنان لن تدافع وحدها عن نفسها، والمفترض أن يتكفّل القانون بذلك. لكن مع عجز القانون عن حماية الإنسان والطبيعة، يتكرّس لدى الجنوبيين أن المقاومة المسلّحة الشعبية تبقى خيارهم الوحيد.



