أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

معوقات ولادة الحكومة كثيرة وحساباتها تزداد تعقيداً

كتب غسان حجار في “النهار”:

تبدو الحكومة كأنها دخلت النفق الطويل، اي الى ما بعد رأس السنة. وفشلت المساعي الفرنسية على اكثر من مستوى، اولها سياسي اذ ان المبادرة التي اطلقها الرئيس ايمانويل ماكرون كشفت عن قِصر نظر واخطاء في الحسابات اللبنانية المعطلة، وكأنما الديبلوماسية الفرنسية غير عالمة بالوحول اللبنانية وبالتخلي العربي وبعدم الرعاية الاميركية، ما يجعل هذا الثالوث قادراً على حرق، ليس المبادرة فحسب، انما صاحبها ايضا.
والمستوى الثاني اقتصادي، بحيث ان عدم توافر الغطاء الدولي، والاستعداد العربي للدفع، يحولان ايضا دون عقد مؤتمر لمساعدة لبنان على غرار مؤتمرات باريس الاول والثاني والثالث، قبل مؤتمر “سيدر”. وفي قراءة للارقام يتبين ان الصناديق العربية، وتحديدا الخليجية، هي التي توفر عادة الجزء الاكبر للتمويل. واصحاب هذه الصناديق وضعوا لبنان في الحضن الايراني تصنيفاً من جراء “حزب الله”، ودفعوا افي هذا الاتجاه ايضا بارتباك سياساتهم وعدم رؤيتهم الاستراتيجية لمواجهة ايران. في الحصيلة ان دول الخليج لن تساهم حاليا في اعادة اعمار لبنان، وانقاذه ماليا، باستثناء مساعدات انسانية. وبالتالي فان رغبة باريس في انجاح اي مؤتمر اقتصادي باتت على المحك.

في ظل هذا التعثر في مبادرة الانقاذ، كيف يمكن “حكومة مهمة”، كما سمّاها الرئيس الفرنسي، ان تولد، وتنطلق، فلا تتكرر تجربة حكومة الرئيس حسان دياب التي بدت منذ انطلاقتها حكومة تصريف اعمال او gouvernement de passage، اذ ان الرئيس #سعد الحريري الذي خرج من السرايا على وقع التظاهرات في الشارع، لا يمكنه ان يتحمل اسقاط حكومته في الشارع خلافاً لارادته هذه المرة، بعدما كان في المرة الاولى نزل عند رغبة الانتفاضة، بل حاول بخطوته استمالتها، وتقديم نفسه واحدا من ناشطيها، وهو ما استاء منه اكثر من طرف، في طليعتهم رئيس الجمهورية و”حزب الله”، باعتبارها خطوة غير منسقة معهما.
اليوم لا يمكن الحريري ان يؤلف حكومة وجوه مستهلَكة تتوزع فيها الميليشيات بالكرافات، المقاعد والحصص، كأن شيئا لم يكن، فتعود حليمة الى عادتها القديمة، بعدما نفدت كل الخيرات، ودخل البلد في هوة مالية واقتصادية بالغة العمق. والحريري امام التحدي السياسي والاقتصادي ايضا. فهو غير قادر على التفريط سياسيا، خصوصا بعد العقوبات التي طاولت رئيس تكتل “لبنان القوي” وصهر العهد النائب جبران باسيل، وايضا المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل، والوزير السابق يوسف فنيانوس ضابط الارتباط بين رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجيه و”حزب الله” من جهة، وناقل رسائل بين الحزب والحريري ايضا، لان اي دعسة ناقصة ربما تصيبه وحلقته الضيقة بالعقوبات. وسيشتد الخناق عليه، بحيث ستكبّل حركته وينضم تلقائيا الى عهد مشلول وثنائي مربك. لذا فقد تكون مصلحة الحريري الانتظار الى حين تولّي ادارة اميركية جديدة للتباحث معها في كيفية عبور النفق بأقل خسائر ممكنة، علما ان الانتظار يرتبط ايضا بتقدم مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل، فاذا تقدمت، ربما يجد لبنان تجاوبا دوليا لحلحلة مشاكله، وبخلاف ذلك فان تعقيدات اخرى ستبرز لتشل البلد كليا. إذاً لم تعد مصلحة الحريري في الاستعجال، كما في الايام الاولى لتكليفه.

على الضفة الاخرى، رئيس الجمهورية وفريقه، اللذان يتحسبان لخطة سحقهما، التي يمكن القول انها موجودة في الداخل والخارج، يستعجلان التأليف بشروطهما، وليس بشروط الآخرين. واذا كان الرئيس عون والنائب باسيل ارادا اظهار حسن النية والرغبة في التعاون، كرسالة الى الاميركيين من البوابة الفرنسية، فان الحسابات كلها تبدلت بعد صدور العقوبات على باسيل، واظهار الادارة الفرنسية “انحيازا” الى الحريري وفق ما يرى “التيار الوطني الحر”. لذا فان تسريع الخطى لم يعد اولوية، وتحقيق الشروط، مع اعادة التقرب من “حزب الله”، قارب النجاة الوحيد لهما داخليا على الاقل، صارا هدفا في ذاتهما، لان حسابات الربح والخسارة تبدلت، وبات باسيل يلعبها “صولد”، ورهانه على الحزب سيزيد، ما يعني تصلبا اضافيا تجاه ما كان يسمى “قوى 14 آذار” بمكوناتها.
ومثله “حزب الله” الذي ساير الرئيس #نبيه بري الذي يرى الى الحريري الرئيس الافضل للمرحلة، لكن الحزب يربط “عودة” الحريري المفاجئة بما هو ابعد من الرغبة الفرنسية، بل باطلاق معركة الانتخابات الرئاسية والنيابية المقبلة، وبالتالي فان الحزب لم يعد متحمسا لخيار شريكه في الثنائية الرئيس بري. يرى الحزب ان الحريري خارج السلطة لن يملك الادوات اللازمة للتحول معارضة قوية وفاعلة فيكرر تجربة والده الذي حقق انتصارات انتخابية عقب اخراجه من السرايا. فالظروف المحيطة بالحريري لا تساعد في ذلك، لا ماليا ولا سياسيا ولا دعما خليجيا، اضف الى ذلك بروز حركات معارضة له داخل طائفته، لعل ابرزها واكثرها خدمة للحزب وخصوم الحريري، هو شقيقه بهاء. ومع ازدياد الكلام عن حرب وشيكة على “حزب الله”، بعدما اوشكت الضغوط الاقتصادية على الفشل في تأليب الرأي العام عليه، باتت قيادة الحزب تفضل ابقاء حكومة الرئيس حسان دياب المؤيدة لها، وانتظار ما ستؤول اليه الاوضاع، لرسم معالم المرحلة المقبلة، ومواجهتها بحكومة من هذا النوع او من نوع آخر.

حزب “القوات اللبنانية” أخرج نفسه من حلبة التأليف باكراً جداً، ربما لبُعد نظر، او لمعلومات لديه عن صعوبة المرحلة المقبلة، وبالتالي هو ليس معطلاً في الظاهر، لكنه ليس مسهلاً بالتأكيد، إذ يربط مشاركته بسلسلة شروط غير قابلة للتطبيق في ظل الاوضاع السائدة. ويتوقع حزب “القوات” ان تنفجر الامور في الداخل بعيداً منه.

فاذا كانت الاطراف الاقوى لدى الطوائف الكبرى غير ماضية في تسهيل عملية التأليف، فماذا تنفع نداءات الخارج، إنْ من الامم المتحدة، أو من باريس؟ ربما لا تنفع مع لبنان سوى اعجوبة صعبة المنال، أو ضربة تقلب الأمور رأساً على عقب.

بواسطة
غسان حجار
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى