خاص – حان الوقت لِلبنان أن يعرف نفسه

بقلم رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لبنك بيمو الدكتور رياض عبجي
في سياق التزامه بقضايا الإنسان والعدالة، نَظَّم بنك بيمو مؤخرًا، بالتعاون مع سفارة بلجيكا في لبنان، وبمشاركة السفير أرنو باولز، ندوةً بعنوان «أولادُها… أولادُ لبنان» بمناسبة مرور مئة عام على صدور قانون الجنسية اللبناني عام 1925. وقد خُصِّص هذا الحدث لتسليط الضوء على حقّ الأم اللبنانية في نقل جنسيتها إلى أولادها؛ وهو حقّ لا يندرج في خانة النصوص القانونية فحسب، بل يمسّ جوهر الكرامة الإنسانية، ويُعدّ من الحقوق الأساسية التي كرّستها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وجميع الاتفاقيات التي التزم بها لبنان.
تضمّن الحدث عرضًا لوثائقي وشهاداتٍ حيّة لنساءٍ لبنانيات متزوّجات من غير لبنانيين ولأطفالهنّ، نقلن خلالها معاناة يومية قاسية تجسّد بوضوح حجم التمييز الصارخ الذي يخلقه القانون الحالي. كانت الشهادات مؤثّرة جدّا إلى حدّ أنّها كشفت، بلا مواربة، عمق الجرح الإنساني الذي يطال شريحة واسعة من العائلات اللبنانية، ووضعَت أمامنا مسؤوليةً أخلاقية ووطنية لا يجوز تجاهلها.
وبصفتي متابعًا لهذا الملف منذ سنوات، فقد أعادت هذه الشهادات المؤثّرة إيقاظ قناعة راسخة لديّ: لم يَعُد بالإمكان تأجيل هذا النقاش. فالظلم الواقع على الأم اللبنانية وأطفالها يمسّ صلب المواطنة، ويصيب هوية الوطن في جوهرها. ومن هذا المنطلق، وجدتُ أنّ من واجبي أن أكتب هذه الكلمات، دفاعًا عن حقّ بديهي يجب أن يكون مصانًا، وتسليطًا للضوء على قضية لم يَعُد الصمت بشأنها مقبولًا. وانطلاقًا من ذلك، تأتي هذه المقالة.
حان الوقت لِلبنان أن يعرف نفسه
«اعرفْ نفسك» — هذه العبارة الشّهيرة المنقوشة على عتبات المعابد اليونانية لم تكن يومًا دعوةً لزيارة محلّل نفسي، بل كانت تذكيرًا قويًّا بأنّ الإنسان هو كائنٌ حرّ ومسؤول، مدعوٌّ لأن يُدرك حقيقته، ويتأمّل ماهيته، ويقبل ذاته كما هي.
قانون الجنسية في لبنان يفرض علينا اليوم أن نطرح السؤال نفسه. فهذا القانون الجوهري، الذي يحدّد من هو اللبناني ومن لا يُعدّ كذلك، بلغ مئة عام!… فهو وُضع في زمن الانتداب الفرنسي، أي قبل ولادة الجمهورية اللبنانيّة، وما زال حتى اليوم يُملي على اللبنانيين حياتهم، ويحدّد مصائر عائلات بأكملها.
ماذا يقول هذا القانون؟
يقول هذا القانون — ببساطة فائقة وجارحة — إنّ المرأة اللبنانية ليست مواطِنة كاملة الحقوق في وطنها. فحقّها في المواطنة ليس حقًّا أصيلًا، بل هو أشبه بـ«حقّ استعمال» لا يرتقي إلى مرتبة الملكية الحقيقية للحق. فهي لا تستطيع بحسب هذا القانون نقل جنسيتها إلى أولادها، تمامًا كما كان حال الأقنان في النظام الإقطاعي الذين كانوا يزرعون أرضًا لا يملكونها.
لقد احتفلنا قبل أسابيع بذكرى استقلال لبنان. فهل يُعقل أن يحتفل بلدٌ عريقٌ مثل لبنان باستقلاله، بينما لا يزال أسيرًا لقوانين صيغت عندما كان تحت انتداب بلدٍ آخر؟ أفلا حان الوقت، بعد مئة عام، لتحرير الأمّة ومواطنيها جميعا من عبء تشريعاتٍ بائدة لم تَعُد تمثّلها بشيء، ولم تعد تصلح لشيء؟
أفلا حان الوقت لنتحلّى بوضوح ورؤية وشجاعة، لنعترف بأنّ لبنان يتكوّن من لبنانيات ولبنانيين معًا؟ من نساء ورجالٍ؛ مسيحيين ومسلمين ودروز وعلويين ويهود وحتّى لا دينيين؛ مقيمين على أرض الوطن ومنتشرين في أصقاع الأرض كلّها؟ وأنّ هوية الوطن لا تكتمل إلا بجميع هؤلاء، دون أي عَزلٍ أو تمييزٍ أو استثناء؟ أفلا يجدر بنا أخيرا كمواطنين ومواطنات، أن نتقبّل أنفسنا كما نحن، بكلّ تنوّعنا وغنانا وحتّى اختلافنا؟
لقد آن الأوان فعلا ليتحرّر لبنان من التمييز، ومن المصالح الضيّقة، ومن الأحكام المسبقة، ومن السلوكيات غير الأخلاقية التي كبّلت تقدّم الوطن على مدى سنين طويلة. ولقد آن الأوان أخيرا ليصبح لبنان ليس فقط «رسالة حضارية»، بل أيضًا مثالًا في الشجاعة، وفي الحكمة، وفي الاعتراف بالذات، وفي السعي الدائم إلى تحسينها.
إنّ هذه القضية المؤلمة ليست قضية النساء اللبنانيّات وحدهنّ، وليست قضية أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا فحسب، بل هي قضية كلّ لبناني — ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا — لأنّ هذا القانون يُقصي نصف المجتمع ويُعطّل نصف طاقات الوطن.
مئة عام كاملة مرّت! قرنٌ كاملٌ من الزّمن تغيّر فيه العالم كلّه، وتحوّلت فيه القيم والبُنى والأنظمة بشكلٍ جذريّ. إلّا أنّ هذا القانون الظالم بقي ثابتًا في مكانه، دون أن يتزحزح، يقاوم أي إصلاح أو محاولة تحسين أو تغيير.
ختامًا، وبناءً على كلّ ما تقدّم، يجب علينا اليوم أن نتحلّى بالحكمة والشّجاعة للقول بأنّ الوقت قد حان لهذا القانون المجحف أن يُطوى، وأن يُحال إلى كتب التاريخ.
فقد آن للبنان أن يتصالح مع ذاته، وأن يُعيد الاعتبار لإنسانيته، وأن يكون جديرًا بالمحبّة التي يحملها له أبناؤه وجميع أصدقائه، الذين يراهنون بصدقٍ على رسالته الخالدة ومستقبله المُشرق.



