إعادة إعمار المرفأ: مشاريع محلية وعالمية مجمّدة في انتظار تأليف الحكومة(النهار 4 أيلول)

كتبت سلوى بعلبكي في ” النهار”:
بعد نحو عام وشهر على انفجار مرفأ بيروت، لا تزال مشاهد الدمار في المرفأ على حالها شاهدة على جريمة العصر التي أودت بحياة أكثر من 200 شخص وإصابة نحو 6500 آخرين وتضرر نحو 50 ألف وحدة سكنية.
سنة وأكثر على الانفجار الكارثة ولا تزال الدولة في غيبوبة غير مبررة لا يوقظها الهمّ الاقتصادي أو المعيشي للمواطنين وما يمكن أن تشكله اعادة اعمار المرفأ من ضخ للعملة الصعبة في الاقتصاد اللبناني نسبة إلى دوره الاستراتيجي في المنطقة. ما بات مؤكدا حتى اليوم أن ليس ثمة إرادة أو قرار جريء بإعادة الإعمار، فيما الجمود يلف البلاد في انتظار تشكيل الحكومة.
بعد الانفجار، تهافتت الشركات الاجنبية والمحلية لحجز دور لها في مشاريع إعادة الإعمار ومنها شركات المانية، وروسية وصينية وتركية وفرنسية، بيد أنها عادت وفرملت حماستها، حيث لم يتخطَّ الأمر “إعلان النوايا”. وهذا أمر بديهي في ظل غياب أي مرجع يمكن أن يبتّ المشاريع التي يمكن ان تطرحها هذه الشركات التي اقتصر اهتمامها على تقديم الطلبات إلى إدارة المرفأ. وبحسب ما قال المدير العام للجنة الموقتة لإدارة واستثمار مرفأ بيروت، عمر عيتاني لـ”النهار” فإن “هذه الشركات لم تقدم مشاريع متكاملة، حتى أنها لم تطلب مواعيد لشرح مشاريعها للمرفأ، ولكن الاهم من ذلك ان قرار اعادة المرفأ في حاجة إلى حكومة للبت به”.
في 8 نيسان الماضي، كُشف النقاب عن مشروع ل#إعادة إعمار المرفأ ومحيطه من 3 شركات ألمانية خاصة بكلفة قدرت بنحو 7.2 مليارات دولار للمرحلة الاولى، فيما قدرت الكلفة الاجمالية بأكثر من 20 مليار دولار، ويؤمّن نحو 30 مليار دولار من القيمة الربحية غير المباشرة لنحو 25 عاما، مع توفير 50 ألف فرصة عمل. ولكن اللافت أن الطلب الخاص بالمشروع لم يصل إلى ادارة مرفأ بيروت إلا منذ اسبوع تقريبا، وفق ما يقول عيتاني “إذ وصل طلب عبر السفارة اللبنانية في برلين، لكن هذا الطلب لا يتضمن مشروعا متكاملا، لكي يكون في إمكان مجلس إدارة المرفأ احالته على وزير الاشغال العامة او على مجلس الوزراء”.
وكان وزير الاشغال العامة والنقل ميشال نجار قال إن الحكومة الحالية هي في مرحلة تصريف أعمال، ولا تملك صلاحيات قبول العرض أو رفضه، وهذه القرارات ستكون من صلاحيات الحكومة الجديدة. وهو ما أكده السفير الألماني في لبنان أندرياس كيندل الذي قال ان “المشروع يتطلب موافقة الحكومة أولاً، ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية التطبيقية، والتوافق السياسي والقيام بالإصلاحات المطلوبة كمعبر إلزامي للحصول على الدعم الدولي”.
وكذلك الحال بالنسبة إلى المشروع اللبناني الذي تقدم به رئيس نقابة المقاولين ومؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة “أبنية” للهندسة والمقاولات مارون الحلو ومؤسس محطتي الحاويات في مرفأي بيروت وطرابلس أنطوان عماطوري، إذ بعدما أشيع أن مجلس ادارة المرفأ اطلع عليه وسيرفعه إلى وزير الوصاية وزير الاشغال العامة والنقل لأخذ موافقته على اعادة تأهيل واعمار المرفأ، أكد عيتاني أنه “كالمشاريع الاخرى غير متكامل، وأودعناه الحفظ”. ولفت في هذا الإطار إلى أن هذا المشروع “يتعارض مع الخطة التي وضعتها الإدارة خصوصا فيما يتعلق ببيع اراضي المرفأ والحصول على مدخوله على 3 سنوات”.
أما الخطة التي وضعتها ادارة المرفأ مع “خطيب وعلمي” لإعادة اعماره فتقضي وفق عيتاني، “بأن يبقى المرفق على ما هو مع اضافة بعض التعديلات. الخطة متكاملة وتتضمن مشاريع عدة تتعلق بالسوق الحرة، والمستودعات والحاويات وغيرها. هذا في المدى القصير، أما على المدى الطويل فثمة تواصل مع البنك الدولي لاجراء دراسة متكاملة، ولكن في النهاية كل المشاريع في حاجة إلى حكومة وإقرار قوانين من مجلس النواب خصوصا انها تلحظ بعض الإستملاكات”. وأما عن التمويل فأشار عيتاني إلى أنه “في امكان ادارة المرفأ أن تمول خطة اعادة الاعمار، ولكن الأمر يحتاج إلى فترة أطول، لذلك نتواصل مع البنك الدولي في هذا الإطار. وفي حال تأمن التمويل فإنه يمكن انجاز خطة اعمار المرفأ على المدى القصير خلال سنة او أقل”.
مشاريع محلية ودولية؟
التسابق الدولي على اعادة اعمار المرفأ مرده، وفق خبراء استراتيجيين، إلى اهميته “خصوصاً انه يتمتع بموقع استراتيجي مهم على سواحل البحر الابيض المتوسط ويملك اهم محطة للحاويات في المنطقة ويعتبر ممرا للترانزيت إلى بعض الدول العربية، اضافة إلى أنه من العوامل الأساسية التي ترافق أي عملية إنقاذ اقتصادية للبلاد”.
وفي انتظار تأليف الحكومة ووضع اعادة الاعمار على السكة، ثمة دول وشركات أبدت اهتمامها بالمرفأ، فالصين التي دخلت احدى شركاتها في مناقصة محطة الحاويات أبدت رغبتها في الاستثمار في اعادة اعمار المرفأ، كما تركيا وروسيا التي وصل وفد منها إلى لبنان وأبدى رغبته في ذلك ايضا. أما المشاريع التي يمكن ان يكون لها حظ في اعادة الاعمار فتنتظر الضوء الاخضر من الحكومة العتيدة للبدء باعداد دراسات الجدوى والدراسات المالية والانشائية وغيرها من الدراسات التي تخدم اعادة الاعمار. وهو ما يؤكده مارون الحلو لـ “النهار”، مستبعدا إقدام اي شركة على إعداد اي دراسة في ظل حكومة تصريف اعمال، ومجلس ادارة موقت للمرفأ. ويقول: “الوضع جامد. وهو أمر غير مستغرب في ظل ما نعيشه من أزمات معيشية وحياتية، حيث الاولوية حاليا هي لمعالجتها إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا”، مستطردا: “إذا كانت هذه الامور لم تجد طريقها إلى الحل بعد، فكيف الحال بمشروع حيوي كإعادة اعمار المرفأ؟”. ومع ذلك يقول الحلو: “لو ان ثمة أشخاصا على قدر المسؤولية ولديهم الجرأة لتحمّل مسؤولية قرار كهذا، فإنه بالتأكيد سيكون الوضع مختلفا”، مبديا أسفه لبقاء المرفأ على حاله، “فعقد المشغّل انتهى ويتم التجديد له كل 3 أشهر تباعا”، وهذا ما يفسر برأيه “عدم تحديث تجهيزات المرفأ وتأهيلها وأعمال الصيانة”، لافتا إلى أن “ثمة نحو 150 ألف طن ردم ونفايات، كان يمكنهم على الاقل ازالتها في الوقت الضائع”.
ولا ينفي الحلو أن الدراسات التي أعدتها شركته هي دراسات اولية، “في حال تم الأخذ بمشروعنا، فإنه على الاقل يحتاج إلى فترة تراوح ما بين 3 و6 أشهر لدراسة الجدوى والدراسات المالية والهندسية. فهذه الدراسات بحاجة إلى أموال، لذلك لن نقدم على أي شيء ما لم نعطَ الضوء الاخضر على أن ثمة ادارة يمكن ان تبت الموضوع لنا او لغيرنا. ولكن اليوم التعتيم المطبق يفرمل المشاريع الداخلية والخارجية”. والمشروع الذي يعرضه الحلو مع عماطوري يقضي بالحصول على مدخول المرفأ على 3 سنوات أو 4 سنوات، وهذه الأموال كافية لبناء المرفأ وتسليمه من بعدها للدولة.
بالنسبة إلى المشاريع الأجنبية، برز المشروع الألماني المقدم من 3 شركات بكلفة اجمالية قدرت بأكثر من 20 مليار دولار. ووفق ما كان أكد لـ “النهار” رئيس المجلس اللبناني – الألماني إلياس أسود “فإن المرحلة الاولى ستشمل تطوير المرفأ الذي من المفترض أن يكون جاهزا خلال عامين ونصف عام”، مشترطا تشكيل حكومة “نظيفة وشفافة” للمباشرة بالمشروع فور الانتهاء من الدراسة التي تحتاج إلى سنة تقريبا.
وفي أيلول الماضي، رافق رئيس مجلس الإدارة الرئيس التنفيذي لمجموعة CMA CGM، رودولف سعادة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في زيارته الثانية إلى بيروت بعد الانفجار. وقد شكلت الزيارة فرصة لتقديم “مشروع متكامل” من 3 مراحل هدفه أولا إعادة إعمار ما تدمر في المرفأ، ثم توسيعه وتطويره إلى أن يتحول إلى “مرفأ ذكي. وقدرت الشركة كلفة المرحلتين الأولى والثانية بما بين 400 و600 مليون دولار، على ان تمول نصف الكلفة من أموالها الخاصة”.
كل هذه المشاريع وغيرها ستبقى في الادراج في انتظار تشكيل الحكومة العتيدة.



