خاص – وظائف اللبنانيين على المِحك .. اين يحضُر الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية؟

في عصر التكنولوجيا المتسارعة، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، من تطبيقات الهاتف إلى أنظمة الشركات الكبرى. ومع هذا التطور المذهل، يظهر خطر حقيقي يهدد استقرار سوق العمل، إذ يمكن للآلات والبرامج الذكية أن تحل محل البشر في عدد كبير من الوظائف التقليدية. هذا الخطر ليس بعيدًا عن لبنان؛ فالشركات اللبنانية، خاصة تلك العاملة في مجالات التكنولوجيا والخدمات، بدأت تواكب هذا التحول الرقمي بوتيرة سريعة، ما يجعل مئات وربما آلاف الوظائف التقليدية معرضة للخطر، ويطرح تحديًا كبيرًا أمام القوى العاملة قي لبنان للتكيف مع المستقبل الجديد.
في هذا الإطار، اكد عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا بيار الخوري في حديث لموقعنا Leb Economy ان ” النقاش يتصاعد حول مخاطر الذكاء الاصطناعي على الوظائف مع تسارع استخدام الأنظمة الذكية في مختلف القطاعات، ويبرز هذا النقاش في سياق اقتصادي واجتماعي يتغير بسرعة تتجاوز قدرة المؤسسات التقليدية على مواكبتها”، لافتاً الى ان ” الوظائف الروتينية والمكتبية البسيطة تتعرّض لضغط مباشر نتيجة قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ مهام تقوم على المعالجة السريعة للبيانات واتخاذ القرارات المتكررة، بينما تواجه المهن ذات الطابع الإجرائي في قطاعات مثل الخدمات الإدارية والمحاسبة والإعلام التقليدي احتمالات كبيرة للتراجع. في المقابل، تظهر فئة من المهن يعاد تشكيلها بدلاً من استبدالها، حيث يصبح دور الإنسان فيها مرتبطاً بالإشراف والتحليل وصياغة القيمة المضافة، ما يجعل العلاقة بين العامل والتقنية علاقة تطوير وإعادة توظيف وليست علاقة إقصاء كامل”.

ووفقاً للخوري “التهديد لا يعود إلى الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل إلى غياب سياسات وطنية تضمن توظيفه بطريقة تعزز الإنتاج وتخلق فرصاً جديدة، حيث يصبح الخطر أكبر عندما تدخل التكنولوجيا إلى سوق مضطرب بلا رؤية ولا تخطيط، لأن الخلل البنيوي في الاقتصاد يضاعف تأثير أي تحوّل تقني، ويجعل العمال هم الحلقة الأضعف”.
وقال: “في لبنان، تتفاقم هذه المعضلة نتيجة غياب استراتيجية وطنية قادرة على تحديد الهدف من استخدام الذكاء الاصطناعي، سواء كان لتحقيق النمو أو لتطوير القطاعات الحيوية أو لمعالجة ضعف الإنتاجية المزمن. ويتوقف تأثير الذكاء الاصطناعي على واقع العمل وعلى قدرة الدولة على تحديد اتجاه واضح ينسجم مع أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية”.
واضاف الخوري: “تُعد القطاعات الحيوية في لبنان ساحة مثالية لتوظيف الذكاء الاصطناعي بطريقة تعزّز القدرة على الصمود وتوليد القيمة. في الزراعة، يمكن للأدوات الذكية أن تحسّن إدارة الري وتوقّع الإنتاج ومراقبة التربة، بما يعزز الإنتاج المحلي ويقلّل الهدر. في الحِرَف اليدوية، يتيح الذكاء الاصطناعي تطوير قنوات تسويق عالمية للمنتجات التقليدية من خلال تحليل الطلب وتوجيه الإنتاج نحو أسواق جديدة من دون المساس بطابعها الأصيل. في السياحة، يشكل تحليل السلوك السياحي وتخصيص التجارب عاملاً يمكن أن يرفع المداخيل ويحسن الخدمات. أما المشاريع الناشئة، فهي بيئة طبيعية لدمج الذكاء الاصطناعي في تطوير منتجات جديدة تتناسب مع احتياجات السوق. ويبرز التعليم البديل كمساحة لإعادة صياغة عملية المعرفة عبر منصات ذكية تتيح تعلماً مرناً ومهارات عملية ترتبط مباشرة بفرص العمل.”
وشدد الخوري عى ان “الانتقال من الخوف إلى الحل يُعد خطوة ضرورية لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى مورد من موارد التنمية. حين تُوظف هذه التكنولوجيا وفق أولويات واضحة، تصبح قادرة على حماية وظائف قائمة وخلق وظائف جديدة تقوم على الإبداع والتحليل والابتكار، بدلاً من تكريس القلق المرتبط بفقدان الدخل. يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لترميم الاختلالات الاقتصادية في حال تمت إدارته ضمن سياسة وطنية تعطي الأولوية لإحتياجات المجتمع والاقتصاد، لا لمصالح قصيرة الأمد أو توجهات تقنية غير منضبطة”.
واكد ان ” ضمان حماية الوظائف وتحفيز الابتكار يتطلب خطوات عملية تشمل وضع سياسة وطنية تحدد معايير إدماج الذكاء الاصطناعي في القطاعات الإنتاجية، وتطوير برامج تدريب تعزز مهارات العمال في الاتجاهات المطلوبة، وإطلاق مبادرات تشجع الشركات على تبني التكنولوجيا بطريقة مسؤولة. كما يستدعي الأمر الاستثمار في البنية الرقمية بما يسمح بإستخدام الأدوات الذكية في الخدمة العامة وتطوير قاعدة بيانات تساعد في اتخاذ القرار”.
واعتبر ان “الذكاء الاصطناعي يتحول إلى رافعة للنمو عندما يُدمج في التنمية الوطنية بطريقة تعكس العدالة الاقتصادية وتمنح العمال القدرة على مواجهة التحولات بثقة، ما يضمن خلق اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة وأكثر قدرة على الاستجابة للتغيرات العالمية.



