أطفال وراء مقود الفانات: خطر مروري يهدّد لبنان

في مشهد صادم أثار ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر طفل لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره يقود فان لنقل الركاب على أحد الطرقات السريعة في مدينة طرابلس.
الفيديو، الذي انتشر كالنار في الهشيم، كشف النقاب عن ظاهرة باتت تتكرّر في مختلف المناطق اللبنانية: قيادة الأطفال للمركبات، في تحدٍّ صارخ للقوانين، وسط غياب شبه تام للرقابة.
هذه الحادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول مسؤولية الدولة والمجتمع في مواجهة هذه الظاهرة التي باتت تأخذ طابعًا خطيرًا وممنهجًا في المجتمع اللبناني.
من الفيديو إلى الواقع: أطفال خلف المقود
لم يكن الفيديو الأخير إلا واحداً من عشرات الحالات المشابهة التي تتكرر في مختلف المناطق اللبنانية. ففي البقاع، الجنوب، طرابلس، وبعض ضواحي بيروت، يمكن بسهولة رؤية أطفال يقودون دراجات نارية، شاحنات، وحتى سيارات أجرة، على مرأى الجميع.
الأسباب كثيرة، منها الإهمال الأسري، الحاجة الاقتصادية، ضعف حضور الدولة، إضافة إلى ثقافة مجتمعية باتت تتسامح بل وتحتفي أحياناً بمثل هذه التصرفات الخطيرة.
أحد سائقي التاكسي في طرابلس، يقول لموقع “الجريدة”: “في بعض المناطق، القيادة تعتبر مهارة يجب أن يتقنها الطفل منذ الصغر. كثير من الأهالي يشجعون أبناءهم على قيادة السيارة في عمر 10 أو 11 سنة وكأنها لعبة، من دون التفكير بالعواقب”.
القانون موجود.. ولكن من يطبّق؟
وفقاً لقانون السير اللبناني (المرسوم 2437/2012)، يمنع منعا باتاً قيادة أي نوع من المركبات لمن هم دون سن الـ18. كما يشترط الحصول على رخصة سوق رسمية، بعد اجتياز امتحانات نظرية وعملية.
ورغم وضوح القانون، فإن الواقع يروي حكاية مختلفة تماماً، وهو ما يؤكده رئيس جمعية “اليازا” زياد عقل، الذي يرى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل تفاقمت في ظل انهيار مؤسسات الدولة.
يقول عقل: “ما نشهده اليوم هو نتيجة تراكمية لانهيار الرقابة الرسمية. حين لا يكون هناك ضبط مروري جدي، ولا محاسبة، يصبح الشارع مشاعاً لكل من هبّ ودبّ، بما في ذلك الأطفال، مكالباً قوى الأمن الداخلي وشرطة البلديات بقمع هذه الظاهرة الخطيرة”.
ويرى عقل أن الأسباب لا تقتصر على ضعف الرقابة فقط، بل تشمل أيضاً الفقر المدقع الذي يدفع بعض العائلات إلى إرسال أطفالهم للعمل كسائقين، أحيانًا لتوصيل الركاب أو نقل البضائع، فقط لتأمين لقمة.
ويؤكد عقل أن “قيادة الأطفال للمركبات تشكل تهديداً مباشراً لأرواحهم ولأرواح الآخرين، عدا عن عدم امتلاكهم للمهارات المطلوبة للتعامل مع مواقف القيادة الحرجة، فإن انعدام النضج النفسي والعصبي يجعل من تحكمهم في المركبة أمراً بالغ الخطورة”.
وتُظهر إحصاءات غير رسمية أن نسبة من الحوادث المرورية التي شهدها لبنان في السنوات الأخيرة تورط فيها أطفال دون السن القانونية، سواء كقادة للمركبة أو كضحايا نتيجة الفوضى المرورية.
بعد كل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأبرز: أين الدولة من كل ما يحصل؟ وأين هي الأجهزة الرقابية التي يُفترض أن تحمي القانون والناس؟
يجيب مصدر أمني رفض الكشف عن اسمه: “في السنوات الماضية، كانت هناك صعوبات حقيقية في ضبط مخالفات من هذا النوع، خصوصاً في ظل تراجع أعداد العناصر والضغط الكبير الناتج عن الأزمة الاقتصادية والانهيار المؤسساتي. هذا التراجع ترك فجوة واضحة في الرقابة على الطرقات، ما سمح بتفشي ظواهر خطيرة، من بينها قيادة الأطفال للمركبات”.
ويضيف المصدر: “اليوم، رغم استمرار التحديات، تحاول القوى الأمنية استعادة زمام الأمور. هناك تعليمات واضحة بتكثيف الدوريات في المناطق، وملاحقة أي مخالفات تهدد السلامة العامة، بما فيها هذه الظاهرة. نعلم أن الإمكانيات محدودة، لكننا نعمل ضمن المتاح لتفعيل الرقابة وردع المخالفين، مع التركيز على توعية الأهل وتحميلهم المسؤولية القانونية”.
لا يمكن معالجة ظاهرة قيادة الأطفال للمركبات بين ليلة وضحاها، لكن من الممكن وضع أسساً لمواجهتها تدريجياً، من خلال خطوات ملموسة تبدأ بتكثيف حملات التوعية في المدارس والمجتمعات المحلية، وفرض عقوبات رادعة على الأهل المخالفين، إلى جانب تفعيل دور البلديات والسلطات المحلية في الرقابة والمساءلة.
القضية ليست مجرد خرق للقانون، بل تهديد مباشر للسلامة العامة. القيادة ليست لعبة، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية تتطلب نضجاً لا يمتلكه طفل لم يتجاوز مرحلة الطفولة.
فالطفل الذي يُسمح له بقيادة مركبة على طريق عام، لا يمثل حالة فردية فحسب، بل يعكس ثقافة خطرة بدأت تتسلل بصمت إلى المجتمع اللبناني. ثقافة لا بد من مواجهتها بجدية، قبل أن تتحول إلى كارثة مفتوحة على الجميع.



