الحكومة الرقمية: ما زال أمام لبنان طريق طويل ليقطعه

تؤدي التقنيات الرقمية دور المحفزات الرئيسية للتغييرات في العالم من حولنا، فيما غيرت بشكل كامل الطريقة التي نعيش ونعمل ونتواصل ونستهلك بها. وبينما قطعت الشركات والمستهلكون شوطًا في استخدام قوة الرقمنة، لا تزال بعض المجالات، مثل الخدمات العامة، متخلفة في كل بلد تقريبًا.
تتبنى معظم دول الشرق الأوسط التقنيات الرقمية بنشاط، إلا أن هناك دول بدأت ببطء. فعلى الرغم من أن لبنان قد اتخذ خطوات إيجابية نحو مستقبل رقمي بالكامل، لا يزال أمامه طريق طويل ليقطعه.
أطلق البنك الدولي في عام 2019، مبادرة GovTech Global لتحفيز التحول الرقمي في القطاعات الحكومية. وتهدف المبادرة إلى تعزيز استخدام التقنيات الرقمية من أجل تحويل القطاع العام وزيادة كفاءته وشفافيته ومساءلته وتحسين تقديم الخدمات.
تؤدي الحكومة الإلكترونية، إلى جانب توفير خدمات أفضل للمواطنين وتحسين مستوى مشاركتهم مع الدولة، إلى خفض تكاليف المكتب الخلفي، كما تتمتع بتأثير إيجابي على اقتصاد الدولة. وتشمل الفوائد الأخرى انخفاض الفساد والاحتيال وتحسين الإنتاجية، وكلاهما يؤثر عادة على الأموال العامة إلى حد كبير.
تشير توقعات البنك الدولي إلى أن حدوث نقلة نوعية في المنطقة العربية نحو الرقمنة هو أمر لا مفر منه. كما تلاحظ أن عدد السكان في العالم الناطق بالعربية سيتضاعف بحلول عام 2050، وسيصل التوسع الحضري إلى 70%. وبشكل أساسي، ستؤدي هذه الزيادة في عدد السكان إلى ضغوط هائلة على شبكة النقل الإقليمي والطاقة والموارد المائية.
وبينما يعد النضج الرقمي للشركات والمواطنين كمستهلكين في جميع أنحاء الشرق الأوسط أمر لا جدال فيه، فإن تطبيق التقنيات الرقمية في الخدمات الحكومية يتخلف إلى حد ما. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى أن بعض البلدان أدركت أهمية رقمنة خدماتها العامة من أجل التنمية المستدامة، بينما لم تظهر دول أخرى نفس الدافع.
وتمثل الإمارات العربية المتحدة نموذج يحتذي به. حيث يهدف برنامجي دبي الذكية وأبو ظبي الذكية إلى تطوير شبكة البنية التحتية للمدن الذكية في البلاد، وتقديم مجموعة كاملة من الخدمات العامة إلكترونيًا. وتشمل المبادرات الأخرى الجديرة بالثناء مشروع الصحة الإلكترونية في المملكة العربية السعودية والخدمات الحكومية الذكية التي تقدمها المؤسسة العامة للكهرباء والماء في قطر.
يعمل لبنان من جانبه بنشاط على مشاريع متعددة لخلق تجربة مفيدة لمواطنيه من خلال الخدمات العامة الرقمية المترابطة. وكانت إحدى الخطوات التي قطعت في هذا الاتجاه هي إدخال تصاريح الإقامة الإلكترونية والعمل الإلكتروني في عام 2015. وتم استبدال جواز السفر التقليدي الذي يمكن قراءته آليًا بجوازات السفر الإلكترونية بعد فترة وجيزة، مما وضع لبنان بجانب 120 دولة تتوافق معاييرها مع المعايير البيومترية لمنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO). كما قدم قطاع النقل في عام 2016، رخصة القيادة البيومترية وبطاقة تسجيل المركبات ولوحات المركبات الآمنة وعلامات تحديد الهوية بموجات الراديو RFID.
كما يعد مشروع نشر الألياف الضوئية لتحديث البنية التحتية للإنترنت عالي السرعة، الجاري تنفيذه حاليًا في جميع أنحاء لبنان، أحد المعالم المهمة الأخرى. ويفتح هذا المشروع الباب أمام فرص عمل جديدة، وسيكون له تأثير يتجاوز قطاع الأعمال. حيث سيمكن ربط المجتمعات والشركات والمؤسسات العامة ومراكز القيادة من إنجاز التحسينات التي لم يكن من الممكن تحقيقها سابقًا في كل من وسائل النقل الخاصة والعامة، والسلامة، والصحة، والصرف الصحي، والتجارة، بالإضافة إلى الجوانب الأخرى للحياة الحضرية. وسيؤدي إلى إنشاء منظومة أكثر استدامة وكفاءة لتحسين جودة حياة المواطنين.
أقر لبنان في العام الماضي، القانون 81، الذي يتناول جانبًا حيويًا من جوانب التحول الرقمي: أمن المعلومات. حيث يمثل القانون إطارًا قانونيًا أساسيًا لتنفيذ الخدمات الرقمية وحماية البيانات الشخصية وملاحقة الجرائم الإلكترونية. وعلى الرغم من تحذير الخبراء من العديد من القيود والقضايا في هذا المجال، فإن القانون يقدم خطوة إيجابية إلى الأمام لتنفيذ المعاملات الإلكترونية وتنظيم الأمن السيبراني.
يعد تحقيق مثل هذه المعالم الرئيسية، إلى جانب مبادرات أخرى، شهادة على الوعي في لبنان تجاه فوائد التحول الرقمي. يتخطى لبنان مجرد تقديم خدمات عامة مستدامة، إلى وضع الأساس للاقتصاد الرقمي كشرط أساسي لجذب استثمارات جديدة ومشاريع مبتكرة.
خطى لبنان منذ عام 2002، عندما قدم مكتب وزير الدولة لشؤون الإصلاحات الإدارية أول “استراتيجية للحكومة الإلكترونية في لبنان”، خطوات كبيرة نحو التحول الرقمي. ومع ذلك، لا تزال بعض المجالات تتطلب تحسينات كبيرة. حيث يواجه لبنان تأخيرات في وضع استراتيجية رقمية وطنية متينة ستحدد الأهداف الأساسية وتوحد الجهود المنتشرة حاليًا عبر مختلف الجهات الحكومية وتشكل منصة حوكمة مشتركة.
وضع تقرير استطلاع الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية لعام 2018 لبنان في المرتبة 99 بين الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة. حيث سجل لبنان 0.553 نقطة في مؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية. كان متوسط الدرجة العالمية 0.55، مع تصدر الدانمارك القائمة بنتيجة 0.915. وسيتعين على لبنان أن يصعد إلى أعلى القائمة لضمان مجتمع حديث ومبتكر ومرضي.



